حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

عَذَاري الفَراديس

 

يا رباتِ الخيال، وبناتِ السحاب

أيتها العذارى  اللواتي أراكن في تخيلاتي الفريدة

يا قيان الفراديس وعصافيرها الغرّيدة

أنتنَّ أعذبُ من الأحلام وأبْهى من أسلاك النور

أنتنَّ أشعَّةُ سحريّة تتالّق في ظلمات الديجُور

فتضفي عليَّ بَهَاءً رائعًا يظلُّ نورُهُ مَدى الأحقاب

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

مَنْ يخص عباب هذا الأوقيانوس الزخار بأفكار داهش وعواطفه، والموَّار بغضباته ولطائفه

حدائق الآلهة وفراديسُ الإلهات
يَرُودُ جنَّاتها الفاتنات الدكتورُ غازي براكس

تمهيد

“حدائق الآلهة تُوشيها الورودُ الفردوسية” و”فراديس الإلهات يُرصعها اللينوفار المقدس”(1) رائعتان فيا الأدب الوجداني مثلهما كمثل جنَّة الله بين سائر الجنان، وسَدْرة المنتهى بين ذوات الأفنان؛ فهما تُشاركان مولدات الأُدباء المُلهمين في اصالة الإبداع، وصدق العاطفة، وإشراق البيان، ولكنهما تنفردان عنها جميعًا بما تفيض به الينابيع الروحية القُدسية من الرُّؤى المُعجزة للإنسان!

            إنَّهما اللحمة والسدى لنسيج عجيب حي نسجته شرابيين قلب كبير أحياه لطفُ النسائم وجبروتُ الإعصار؛ بل هما وجها كوكب سحري دري ابدعه خيالُ داهش وعقله الجبار، لُيطلق في مدار الحياة ما دامت الأرضُ في مضدار!…

            ولا تطمح هذه الدراسة لأن تكون أكثر من مدخل يقود القارئ إلى

——————————————–

(1) “حدائق الآلهة” عنوان مشترك لعشرة أجزاء ن وجدانيات الدكتور داهش تبدأ سنة 1927. و”فراديس الإلهات” عنوان مشترك لعشرة أجزاء أخرى ستصدر من وجدانياته، آخرها الحالي كُتِبَ في ختام سنة 1980. والكتاب تصدرُ أجزاؤه تباعًا عن دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت، 1980.

————————————————

المتحف الفردويس، ثم توقفه عند منبع الملذَّات التي يرتشفُ منها كلُّ مُتذوّق أصيل يجدُ نفسه أمام لوحات رائعة تُبدعها قدرةُ الفن العظيم، الفن الذي يولدُ من اقتران ربّ الصدق بإلهة البساطة، ويحيا بروح الجمال، ويتغذى بخبز الحق والخير، الفن الذي يبقى رائعصا يسمو بالحياة حتى في تصويره القباحة والسيئات.

            ومَنْ يخص عباب هذا الأوقيانوس الزخار بأفكار داهش وعواطفه، والموار بغضباته ولطائفه، لا بد من أن يفاجأ حينًا بالشمس تراقص أنوارها زبد الأمواج، فإذا العسجد وللجين في حفل زواج، وإذا السماءُ والبحرُ في عرس ابتهاج؛ وحينًا يُفاجأ بأطباق من الغمام، وبدفعات كثيفة من الدجنات والادلهمام، وبغضب العناصر المهتاجة تصكُّ منه العظام، فيطغى عليه الذعرُ ويجتاحه كابُوس الموت الزؤام!…

إنهما وجها هذا الكوكب الوجدانيّ: واحدٌ يلفُّه قتامُ الحياة، تصطخب فيه آلامُ داهش وأحزانُه، من حقارة البشر ومفاسدهمن ومن غربته الروحية بينهم ومعاناته القاسية لما سببوه له من عذاب وأهوال، فينقم عليهم، ويذيقهم من سخطه شرَّ الوبال؛ ووجهٌ آخر تلتمع فيه ومضاتٌ من الفرح والغبطة، كاشفةً عن سعادة الفراديس التي يحلم ببلوغها، وسلوى الطبيعة  الفاتنة والمرأة  المؤمنة اللتين ينشُد فيهما بعض عزاء، ريثما تسطعُ شمسُ الرسالة الداهشية وتُفتَح له أبوابُ السماء.

            ولذا جعلتُ هذه الدراسة السريعة في فصلين: الماساة أو الوجه القاتم، ومنافذ الأمَل والعزاء والسعادة أو الوجه المُشرق.

            وكأنَّما المؤلِّف كان يتمنى لو كانت الحياة كلُّها نورًا، ودروب الإنسان لا تُنبتُ إلا ورودًا وزهورًا، فأخرج لنا كتابه بمتُعدّد أجزائه وكأنّها مشاهد الفردوس الساحرة يُرضي بها ذوقه الفنّي الرهيف، ويُعزّي نفسه عن هذه الدنيا الفاسدة الفاجرة.

أولاً: حقارةُ الإنسان ومفاسدهُ

 

            الخبرةُ التي هي تاج الشيوخ الذي تصوغثه تجاربُ الأيام وأيد الأعوام، والحكمةث التي هي زبدة الأجيال والأحقاب، كلتاهما ليستا من ثمار الشباب.

            ومع ذلك نقف أمام داهش وهو في بداية عقده الثالث، فيدهشنا الرجلُ الحكيم الذي يطل منه لابسًا بُردة الشباب؛ فكأنه حلب من الدهر شطريه، وخبر لناس خبرة من يواكب العصور لا السنين، وكأنّ الحياة قد أسلمت إليه مفاتيحها وقوانينها، وفضَّت له أسرارها، وكشفت لعينيه أغوارها، فخاضَ غمارها، وأذلّ زخّارها، وهَتَك الحُجُبَ عن لآلئها وحجارها، وهو ما يزال في ضُحى نهارها!…

            وفي سنة 1933 يكتب قطعةً عنوانُها “حقارة البشر وضعتهم”، يُرسل فيها حُكمَه على الناس بعد أن يُعرّيهم من قشورهم، ويجردهم من أقنعتهم، فإذاهم أخساءُ تافهون وأشرارٌ فاسدون.

            هذا الحُكْم الحاسم الجازم لم يُبدله قطعًا كرورُ السنين، إذْ نقرأ المؤلف، بعد أربعة وأربعين عامًا، في “لن يتعظوا” (2/4/77)، فإذا سيفُه المسلط عليهم قد ازداد رهافة، وياسه من إصلاحهم وارتقائهم قد تفاقم؛  ذلك بأن الأرض يراها دركةً من الدركات، ومن المحال جعل الجحيم نعيًما.

            وبين التاريخ الأول والتاريخ الأخير يكتب الدكتور داهش عددًا من القطع الوجدانية تتناول تفاهة البشر وقيمهم الباطلة، وانغماسهم التامّ الدائم في مستنقع الرذائل؛ ولا يكتفي بعرض مفاسدهم، بل يُفجّر على رؤوسهم العقيمة غضبَهَ الرعديّ البركانيّ، ويُنذرهم بمصير شيطانيّ جحيميّ.

            فهو يُسقط ابن آجم المتألّة عن عرشه الزائف ليُمرِّغَ أنفه بالرّغام، ويُظهر له أنه لا يفقه شيئًا من اسرار الحياة، وأن معرفته ادّعاء وهباء، وأدبه وذكاءَه دخانٌ في الهواء!

            ويُحلّل نفسية الناس، مُميطًا اللثام عما تجيش به من المطامع والرذائل… فهم يتهالكون على الدنيا كأنهم مخلدون فيها، في حين أن الموت لهم بالمرصاد عند كلّ خطوة من خطواتهم؛ وهم غائصون في الشرور والمفاسد من أخامص أقدامهم حتى قمَّة هامهم، ومع ذلك يدَّعون الفضيلة مُزورين معناها. يأتون الدنيا أفواجًا، ويُغادرونها أفواجًا، وهم يخبطون فيها خبط عشواء، تحشوهم الكبرياء، ويكسوهم السخفُ والغباء، ويُدثرهم المكرُ والريا؛ المال يعبدونه، وشهوةُ الجنس تُعميهم وتستبدُّ بهم، والظلمُ يقودهم ويُملي عليهم تصرفاتهم؛ وهم في الموبقات والقذرات سواء، أفرادًا وشعوبصا، محكومين وحُكامًا(2).

 

ففي قطعة “لن ينجع فيهم دواء” (4/2/75) يصف لنا أحد مُتسنمي المناصب الحكومية قائلاً:

————————————————–

(2) انظر “غرور الإنسان” (1938)؛ “آمالنا أوهام” (28/1/71)؛ “ندعي الفضيلة وتحتلنا الرذيلة” (4/7/72)؛ “هذا هو فصل الخطاب” (56/1/75)؛ “فشا الإلحاد فيها” (22/1/75)؛ “نأتيها أفواجًا ونغادرها أفواجًا” (4/1/77).

———————————————–

“هو مُتكبر، متعجرف، مغرور، أحمق ودون وفاء،

يُرصعُ صدره دومًا بوردة قانية حمراء،

ويدفع بصدره إلى الأمام كأنن رايةُ الحلفاء،

وإذا حدثته زم شفتيه كأنك نملةٌ عجفاء!”

 

لكنَّ هذا المجرم الفاسق الخاوي الراس ما كان ليعتلي المناصب عليا أعوامًا تلْوَ أعوام لو لم يكن الذين يُساندونه فُسَّاقًا مثله وتافهين. فكما تكونوا يُوَلَّ عليكم.

            وانظُرْ إلى الصورة الواقعية التي يرسمها المؤلّف.فما أمر هُزءَها بالمظاهر التافهة الباطلة، وما أشدَّ احتقارها للانتفاخ الأجوف الذي لا تجدُه إلاّ في الطبول الفارغة، وما أبرع الخيال فيها وهو يجسم الواقع، مُحييا إياه بالتصوير البارع!

            إذن، اليس من عظماء في الأرض؟

            إنَّ مَن يسميهم الناسُ “عظماء”، يسميهم الدكتور داهش “فقاقيع” (17/11/70)؛ حتى البارزون الأفذاذ من الفاتحين لا يراهم سوى طبول مدوِّية جوفاء، ولا يؤمن بالعظمة الحقيقية إلا في الأنبياء؛ فوحدهم يشقون طُرُق الهداية وممدّون الجسر الواصل بين الأرض والسماء.

                                                            ******************

            ويمثل رجالُ الدين عامةً، والكهنة خاصةً، بنظر مؤسس الداهشية، دورًا بارزًا في نشر المفاسد مدى الأرض. فهم الرُّعاة المراؤون المستثمرون لقدس الأديان، والذئاب متنكرة بثياب الحملان. يقول ي “تشاؤم” (26/1/759:

 

“فمتبتلُهم هو الذئب بثوبه الدينيّ المزيف،

يتظاهر بالتقوى وهو الوحش المتحفز للولوغ في دماء ضحيته،

فكيف بالعادي من أبناء البشر المخادعين؟!”

 

إنّها لصرخة جبران خليل جبران (1883 – 1931) ضد المراوغين المتاجرين بالمقدسات يُجلجل دويُّها، ثانيةً، في صوت رجل المعجزات! فيحمل عليهم حملةً شعواء تفضح شائن سلوكهم، وعارَ نفاقهم وتدجيلهم على السذج والأغبياء، إذْ يوهمونهم بصحة مبدأ الشفاعات، ويرسخونه في أذهانهم، وخاصةً شفاعة مريم العذراء… وهكذا يشجعون الأشرار على التمادي في معاصيهم وعمههم، لطمعهم بالشفاعة في ذنوبهم. وإنما هم الكهنة، كل همهمن أن يكدسوا الأموال في جيوبهم وخزائنهم؛ ولذا تراهم يشيحون بوجوههم عن الفقراء، ويحالفون ويكرمون الأغنياء متهافتين على موائدهم.

            وكالعاصفة المقدسة المفعمة أرادنُها بالرهبوت والجبروت يُلعلع غضَبُ داهش فوقهم، فيودُّ لو تثقبُ أجسادهُم بالنشاب، ويرفعون ويصلبون على الأخشاب، لينوش لحمانهم كل عقاب! بل إنه يراهم يستحقون أكثر من هذا العذاب.

            فلنسمْع الرجل الخارق يقول، وقد لبس ثوبَ المؤدب ونطق بصوته المرعب(3):

“هم دجاجلة ومكرة يستحقون أشنع من هذا العقاب.

كم من عذارى دنسوا أخدارهنّ! يا ويلهم من زُناة وقُحاب!

لاتطمئنوا، معشرَ الفُساق، فقريبًا ستلقون شر الحساب.

فساعة محقكم زاحفةٌ عليكم، وأديرتُكم ستُدمَّر فإذا ها هباب!”

 

            إنَّ حملة مُؤسِّس الداهشية على رجال الدين المتفجرة بهذا العُنف البالغ والوعيد النبوي المبين… لا يُمكن أن يشنها إلا من كان له سلطانٌ على الناس أجمعين!

————————————————–

(3) انظر “ذئاب يرتدون أثواب الحملان” (31/10/78)، وكذلك “العذراء بك ستشفع” (3/2/75).

————————————————–

ألم يقل السيد المسيح: “أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح؟ إنه لا يصلحن إذ ذاك، إلا ليُطرَح خارجًا وتدوسه أرجلُ الناس” (متى 13:5).

                                                ************

            ويعلن الدكتور داهش يأسه التامّ من إصلاح البشر؛ فآذانهم كانت وستبقى صمّاء… لا تعاليم الحكماء تنفعهم، ولا هداياتُ الأنبياء، وسيمكثون مقيدين بأعمالهم السافلة الجانية، متشبثين بقيمهم الباطلة الواهية، ولن تردعهم كلماته الناهية…

 

“فهي بشرعهم كخيوط العناكب الواهية”.

            ولذلك كَفَر بكلّ ابن أُنثى، وانتزع ثقَتَه من كل مخلوق، ولم يبقَ له إلا أمَلُه بالسماء. أما الأرض فلو خُيِّر في أمرها لكان أحرقَها وردَّمَها ودمَّرها وأحالَها إلى فناء.(4)

 

ولِمَ لا، ما دام مُؤسّسُ الداهشية قد قطَع من إصلاحها كلَّ رجاء؟!

            فهذه مُدُنُ العالَم العُظمى جميعها مُدُنٌ فاسقة، يقف داهش فيها وقفة المسيح في أُورشليم، بل وقفة الملاك المؤدِّب في سَدوم وعمورة؛ يُندّد بمفاسدهان ويزنُ شرها وخيرها، فإذا الشرّث كفّتُه راجحة، فيستنزلُ عليها اللعنة والعار، والكبريت والنار.

            وقفة

اهش الأولى التي تركت أثرًا في أدبه كانت في العاصمة الفرنسية. سنة 1935 يكتب قطعة “وداع باريس”، فيقرعها على زناها وكبريائها وعنجهيتها، ويتهكَّم عليها. وبينما يتغنى بها الشُّعراء…

————————————————

(4) أنظر” وكاهن ضحكته رطل” (2/3/74)؛ “أين جمشيد وداريوس؟” (6م3/749؛ “كل ذئب لأخيه حفرة قد حفر” (10/3/74).

————————————————-

“لأنهم استساغوا حلاوة (الثمرة المحرمة).

وكتبوا أشعارهم ممزوجة بدماءِ الشهوة،

ومداد الأنانية والغرور…”

 

فهو يلعنها، ويُبارك ساعة خروجه منها.

            إنَّ موقفه من باريس لا تُغيره السنون. فقطعتُه فيها سنة 1969 تُكرس نظرته إليها، وتجدد، لعنته لها، وعظمتها الفكرية والفنية تمحي في عينيه أمام اشباح فجورها ومفاسدها الخلقية.

            وفي بفرلي هلز ولاس فيغاس بالولايات المتحدة الأمريكية، يندد الدكتور داهش بتهتك الأمريكين، وغوصهم في بحر المنكرات والموبقات، وعبوديتهم للدكتور، ويذكرهم بزلزال سان فرانسسكو الذي دمَّرَ المدينة في 18 نيسان 1906، وبأنّهم يزرعون بأعمالهم الفاسدة بذورًا لا بدَّ من أن يحصدوها… ويُنذرهم.

 

“بأن يومًا حالكَ السواد، مدلهم الجلباب

سينقضُّ عليهم انقضاض النسور”

 

فتُزلزل الأرض وتُقوَّض أركانها… ولاتَ ساعة مندم(5)

                                                *******

وما دامت المدنية فاسقة، أفيمكن أن تكون المرأة فاضلة وهي أساسُ التربية فيها؟!

            إنَّ رأي الدكتور داهش في المرأة – المعروض عرضًا مفصلاً ومثيرًا في كتابه “كلمات” الذيوضعه سنة 1936 – إنما يُصدره عن تجربة شخصية عاناها، وفي الآن نفسه، عن وعي روحي لواقعها النفسي التاريخي مُذْ أغوتْ حوّاءُ آدم، فكانت له سبب الشقاء وأصلَ البلاء.

———————————————-

(5) انظر “حذار ثم حذار”  19/1/77)، و”لاس فيغاس لم تستهوني” (27/1/77).

——————————————

            وترقى القطعة الوجدانية الأولى التي كتبها في هذا الموضوعت الى 11/7/37، وعنوانها “خائنة الشرف وزنديقة”. وهي تفيضُ أسى، وتضجُّ غضبًا على بنات حواء، ذلك بأن مؤسس الداهشية أسلمُ قلبه، وهو في ميعان شبابه، لفتاة كانت تُظهر له الحبَّ والإخلاص، لكنه ما لبث أن اكتشف أنها تخونه، فأقسم على أن لا يثق بوفاءِ المرأة ما دام حيًّا.

            وفي الصفحات السوداء التي خطها داهش عن المرأة يبرز أسمان: (ديدار) و(لور). أما الأولى(6) فقد عرفها المؤلف، وعطفَ عليها، وأطعمها خبز الروح؛ فإذا بها تقيئه لتعود إلى مُتمرَّغ الحمأة، شأنها شأن الخنازير التي لا يطيب لها إلا الولوغ بالأوساخ والتمرُّغ المأة، شأنها شأن الخنازير التي لا يطيب لها إلا الولوغ بالأوساخ والتمرُّغ بالأقذار. فيصف نفسيتها الدنيئة، وأعمالها الوضيعة، وأخلاقها الخسيسة، ورغبائها المدنسةح ويصبَّ طوفان نقمته عليها بهول لا مثيل له، حتى يجعلها رمزًا لكل امرأة تشدّ عن درب الفضيلة بعد أن تُهدى إليه. فكأنها تمثل في النساء ما يمثله (الخيلي)(7) الخائن في الرجال

            وأما(لور)(8) فاسمها قد جعله قلَمُ داهش الخارق البطاش سُبَّةً على كل شفة. لقد هجا المتنبي كبيرُ شعراء العرب كافورًا الأخشيدي، فخلده أُضحوكةً في كل فم نطق بالضاد، وهجا الدكتور داهش لور الداعرة، فخلدها مثلةً شوهاء، وعلمًا للفاسقة الخرقاء في اللغات جمعاء. حسبُك أن تقرأ هاتين العبارتين، بل المتفجرتين المزلزلتين حتى تُدرك في أي درك من الجحيم زجَّ رجلُ الروح العظيم بابنة الرجيم:

——————————————-

(6) انظر “خائنة عاهرة وقذرة داعرة” (23/5/72) و”ديدار… فسقت فطردت” (28/2/77).

(7) إنه عبد الرحيم الشريف الخليلي؛ وقد خان الدكتور داهش، يوم كان في فلسطين، بعد أن قربه رجلث الروح إليه وائتمنه على ماله.  وسيأتي مزيدٌ من الإيضاح عنه في سياق هذا الفصل.

(8) انظر “أفعوانة” (17/10/71) و”لور الداعرة” (21/2/76).

—————————————————

” الحنشُ يخرُّ ميتًا إذا مسَّ خدها أومرَّ على فيها!

فسمًا بالعظيم، أنا لا أبدل سوءة الكلب بها وبذراريها!”

            وإني لعلى يقين بأن وصمة العار والشناء والفسق والفجرو التي دمغ بها مؤسس الداهشية هذه الزانية الخانية ابنة الديجور، لن تسلها مياه الأنهار والبحور، ولن يمحوها كرورُ العصور والدهور، حتى لتُنسى كل عاهرة سواها، ويبقى اسمها علمصا للرذيلة ما بقي المعمور!

                                                            *********

ويتصدى  الدكتور داهش لموضوع الزواج والحبّ، فيرى أن الشهوة الجنسية – بالدرجة الأولى- هي التي تحرك الرجال والنساء للإقدام على الزواج بفرحة كبرى، ولذلك تُعمى بصائرهم وتستسلم إرادتهم لسلطانها القاهر، رغم ما يعرفونه من منغصات الحياة الزوجة، ومفاجآت الأقدار لهم التي قد تفجعهم بأبنائه، وتفكك عُرى أسرهم بالخيانات والخلافات.

وهذه الشهوة العارمة ستُلازم البشر حتى فناء الكرة الأرضية(9).

            في قطعة عنوانها “على نفسها جنتْ براقش” (4/3/74) يعرض المؤلف قصة هند التي نصحها بعدم الزواج فعصته، واقترنت بمن شاءه هواها؛ ثم رُزقت صبيًا وبنتصا.

            أمّا الصبي فقتله رفيقهُ طعنًا بخنجر بعد مشادَّة بينهما؛ وأما الفتاة فقد تزوجت بعد سنة واحدة مضتْ على وفاة أخيهاز ولكن ما أن مر عشرون يومًا حتى قتلها زوجها، إذْ عاد لتوه من سفرة كان قد اعتزمها، فأمسكها بالجُرْم المشهود وهي تزني… فأرادها.

            وجُنَّت الأّمّ…

—————————————————

(9) انظر “المرأة دينهم ودنياهم” (12/7/67).

————————————————

يخاطب رجل النبوءات هذه المفجوعة قائلاً:

“ما كان أغناكِ عن لذة دقيقة

سفتكِ اليوم تعاسةً تزلزلُ الدأماء!

لا عجب! فكل ابنة حواء لو عرفت أن هلاكها بزواجها

تقدم عليه بنهم، رافضةً نصيحة الأنبياء!”

 

فما أدهى هذا الحكم ينزله رجل الروح بالمرأةّ!

ويرى مؤسس الداهشية أن الإقدام على الزواج رغم نصائح الأنبياء مرده إلى سببين: أولهما سيطرةُ الشهوة الجنسية سيطرة دهرية تامة على الرجل والمرأة؛ وثانيهما إيمان الكثيرين بوجود الحب الصحيح المخلص الدائم، وهو ما يراه رجلث الروح الحكيم وهمًا كبيرًا يستندُّ بالناس.

            ففي “الحب شهوة مؤقتة” (21/12/76) يعرض قصة غرام السيدة فتحية شقيقة ملك مصر السابق فاروق ورياض غالي المسيحي اللذين اقتحما في سبيل حبهما المصاعب وعانيا المتاعب، حتى لجأ إلى أمريكا، فتحدثت صحفُ العالم عنهما؛ هذا الغرام الشديد الفريد ينتهي بقتل رياض لفتحية ومحاولته الفاشلة للانتحار!

            ويعلق الدكتور داهش على هذه الماساة بقوله:

لعنت أيها الحب، ولُعن كل من يؤمن بأضاليلكَ التافهة.

فما أنتَ إلا شهوة مرذولة،

لُحمتُكَ الدَّنس النجس، وسداكَ النتانة القذرة”.

إنَّ الحب النقي السامي يعتبره المؤلف الحكيم حديث خُرافة، والحب الذي يُحييه الإخلاص ويحرسُه الوفاءُ الدائم ليس سوى سراب؛ وانخداع الناس بوجود الحب الصادق الثابت هو الذي يكثر المآسي الزوجية والاجتماعية بينهم؛ وما العواطف والاملات والمغازلات التي يتبادلها الخطيب والخطيبة والحبيب والحبيبة سوى ضر من التمثيل والتدجيل، إذ لا يطول الزمان حتى ترفع الأقنعة وتنجلي تحتها الأكاذيب والاباطيل!(10

            زِد إلى ذلك أن المؤلف يرى بعينه الروحية النافذة أن الزوجين، حتى لو كانا راقيين، لا يمكنهما أن يضمنا سعادة أبنائهما، فقد يُصبح الابن المعقودالأمل عليه فاجعةً لوالديه، والابنة التي هي أُنشودة أبويها قد تنصبُّ اللعناتُ عليها.

            ذلك فضلاً عن أن الزواج قد يُسقط سيّالاً عُلويًّا يكون يحيا في عالم سعيد، فيُحكم عليه بالهبوط إلى كوكب الشر والشقاء، وإذ ذاك يلعنُ الولدُ الساعة التي فيها بالأرض وُلد، ويقول مع المعري:

            “هذا جناه أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد” (11).

                                    *****

وإذا كانت الشهوة الجنسية سببًا رئيسًا من اسباب بلاء الإنسان، فالمال هو توأمُها. وقد وعلى الدكتور داهش هذه الحقيقة. باكرًا، فوضع في الخامس من كانون الثاني 1935 قطعته الضافية الشهيرة “المال المال” التي تبقى فريدةً في نوعها، فذة في شمولها؛ لكنها لم تضم إلى “حديقة الآلهة” لكونها مُدرجة في كتاب “القلب المحطم”.

            ويخصص الدكتور داهش عددًا من القطع للمال مُفردًا أو مقرونًا بالمرأة أو رجل الدين. ذلك بأن رجل الروح يرى هذا الثالوت أخطبوطًا رهيبًا مثلث الأرؤس، يُطبق بأذرعه الهائلة على الأرض، مُحكمًا عليها الخناق.

 

———————————————–

(10) انظر “الرجل فاسق والامرأة داعرة” (30/7/78)، و”في مقهى باريزي” (14/11/78).

(11) انظر “إلى ابنتي في عالم الغيب” (6/6/72)، و”إلى ولدي في عالمه المجهول” (6/6/72)؛ وكذلك “شجرة معرفة الخير والشر” (1971).

———————————————–

إن التنازع ساد شعوب العالم، فما وحدها إلا سلطان واحد هو المال!…

“هذا الشيطان ذو الجلال”.

إنه المخلوق الوحيد الذي تعاظم على الخالق، ونجحَ في اجتذاب الكل إليه، فرفعوه إلهصا معبودًا. ولم يختلفوا في تكريمه وتقديم شعائر العبادة له، لا في الشرق ولا في الغرب، لا في الرجال ولا في النساء، فالكل اجتمع تحت لوائه.

            لكن هذا الإله المعبود لا يُساعد الإنسان ولا يُنقذه، فابن آدم يتهالك على جمعه، مذيبًا نفسه في تكديسه، وفجأةً يدهمُه حاصدُ الأرواح فيقذفُ به إل الجحيم.

            بل إنَّ هذا الإله لا يأتي الإنسان حتى بالراحة في الدنيا التي هي ملكوتُه الخاص. فهو يُتعسه بدَلَ أن يُسعدَه، ويرفعه ليُذلّه، ويُسرّه ساعات ليشقيه طيلة الحياة!… وهيهات أن تنفتح عيونُ البشر على هذه الحقيقة الفاجعة الصادعة مثلما انفتحت عينا ابراهيم الخليل على زيف آلهة قومه!

            إنه إلهٌ قويّ، لكنه باطل فان، وقوته يستمدها من ضعف الإنسان وغبائه. فمن أراد أن يستقوي عليه فليحتقره، وليقتنع بالقليل منه(12).

            تلك مظاهر حقارة الإنسان ومفاسده حسبما تبدو معالمها في “حدائق الآلهة” و”فراديس الإلهات”، من خلال عرض سريع هو أشبه باستشراف حرب ضارية نائية الميدان من على قمة جبل شامخ.

——————————————–

(12) انظر “المرأة والمال” (2/3/71)؛ “هذا الشيطان ذو الجلال” (7/6/72)؛ “المال والله” (18/6/72)؛ “سراب واباطيل” (21/5/72)؛ “يا لضيعة الآمال” (2/2/75)؛ “كل شيء فان” (7/2/75)؛ “كن غني القلب واقنع بالقليل” (23/4/76).

ثانيًا – شقاءُ الإنسان

 

إن المفاسد والشرور التي زرعها البشر مُذْ وُجدوا على هذا الكوكب لا بُدَّ من أن تنمو وتُعطي ثمارها، وثمارُها لن تكون إلا عوسج العذاب والشقاء الذي يُسوِّر الأرض، بل يُغرقها كأنما في طوفان ماء! فلا مهرب من قانون السببية الكونّي، ومن الجزاء العادل الإلهيّ.

            وأوَّلُ مظاهر الشقاء زوالُ العمر السريع. فما أن يترعرع الإنسان ويشبّ ويمتلئ نضارة، ويأمل بالحياة الباسمة حتى تبدأ جحافلُ الهَرم تغزوه.

            وينطلق الدكتور دهش من تجربته الذاتية في هذا الموضوع، فإذا به في قطعة “أيتها المرآة كفاكِ هُزءًا بي” (30/1/71) يصف زحف الشيخوخة عليه، وإدبار شبابه، وانهزام نضارته… ثم ينقل حالته الشخصية إلى الإنسان، فالجسد البشري واحد، وما يسري على جسمه يسري على كل ما جُبِل من ماء وطين. وهكذا الإنسان تتبدل أحوالُ جسده بتغيرُّ أطوار عمره، فيشيخ، ويذبل عودُه، وتتهدَّم قواه، حتى ينفضَّ عنه أقربُ المقربين إليه.

وإذا الموت ينقضُّ عليه انقضاض العُقاب على الفريسة(13).

            ولا يجني الإنسان من حياته إلا التعب والبطال. فالأسفارُ الكثيرة، والأطعمة المتنوّعة الفاخرة، وفنون اللهو، وعشرة النساء، وتكديس الأموال، وسائر الوسائل التي يتذرَّعُ بها الإنسان ليملأ فراغ حياته، كلّها باطلة ما دام الموت سيضعُ حدًّا لكل شيء؛ ولا يبقى ما يُفيد الإنسان سوى أعماله المتجهة للخير والحقّ والفضيلة(14).

            و”اللذة آخرُها نَدَم” (4/7/72)، إذْ إنّها حيثما طُلبَت أعقبتها الندامة

—————————————–

(13) انظر أيضاً “حقيقة مخيفة” (2/1/70).

(14) أنظر “تعب كلها الحياة” (12/6/72)، و”باطل الأباطيل” (2/7/72).

——————————————–

والحسرة والنقمة وزواغل النعمة. وليس ثمة إلا لذة واحدة حقيقية لا يعتريها ذبول ولا أفول، ولا يتبعها ندم، هي اللذة التي يشعر بها الإنسان عندما يتوجه إلى خالقه، وتحلق روحه على أجنحة الفرح والنشوة في الابتهال إليه.

            أما المجد الذي يُعلّل به أصحابُ السلطة أنفسهم، فما أسرع زواله، وما أحزن نهايته! في 7/9/72 يكتب الدكتور داهش في روسيا قطعة “وهم هي الحياغة فما عجبي…” فيعرض لحياة القياصرة الروس، ذاكرًا البذخ والمجد والأُبهة التي أحاطتهم، وكيف انقلب عهدهم، ودالتدولتُهم، واضمحلَّ ملكُهم! فإذا كان الملوك العظام هذه حالُهم، فكيف حالُ العاديين من الناس؟ فالمجدُ الباقي ليس للبشر، إنه لله، فوحده يبقى ملاذًا وغاية.

            وفي “أمجاد طُويتْ وزالت” (11/1/77) يستعرض الملوك والحكّام الذين طُردوا من عروشهم ونُكِّل بهم بعدما رتعوا في حياة البذخ والترف: فاروق مصر، وقيصر روسيا الذي ذُبحَ مع أسرته، وفيصل العراق، وخاله عبدالإله، وعبد الكريم قاسم، ونجاشي الحبشة، وعمانوئيل إيطاليا، ونابوليون، وهتلر، وغيرهم وغيرهم… جميعهم اندثر عزُّهم، وأفَلَ نجمُهم!…

            إنَّ موبقات البشر وأعمالهم المُنكرة هي سَببُ شقائهم ومصائبهم، فما كانوا ليغوصوا في بحر من الأحزان والآلام لو لم يغوصوا في أوقيانوس من المعاصي والآثام!

            في “الفاجعة العظمى” (7/4/73) يَصف المؤلفُ سفينةً غرقت بعد أن حطمتها الأنواء. وكان الذعر قد استبدَّ برُكابها، وعلا عويلُ النساءِ والأطفال… ثم جرف الموتُ الجميع، فابتلعهم اللجة. ودوى صوتٌ مهيب رهيب، قائلاً:

            لقد طغيتم وبغيتم، وارتكبتم الشرور الرهيبة،

وما ارتدعتم عنها،

إنكم الآن تحصدون ما زرعتم”.

ولا ريب في أن هذه الحادثة الشعرية تمثيل رمزي شديد الإيجاز والإيحاء للناس التائهين في الحياة… بل في خضمّ الشقاء والفناء.

                                                *****

أجل، إنهم يحصدون ما زرعوا: موتًا وفجيعة!

فالموت هو كابوس البشر، ولا حقيقة أشدّ سطوعًا أمام أنظارهم كحقيقته. جميعهم يتعشبثون بالحياة ويحلمون بالخلود، والموت يترصدهم بمنجله الرهيب بعد كل خفقة من خفقات قلوبهم. إنه أقرب إليهم من جفونهم، ولكنهم لا يرونه، لأن سكرة الحياة جعلتهم في غفلة عنه!

            “في مدينة الأموات بجنوى” (22/10/71) يتأمل مؤسس الداهشية في الثاوين بجوف الأضرحة، فإذا فيهم البخلاء والأسخياء، الفقراء والأغنياء، الأذكيار والأغبياء؛ منهم من خلف فرحة، ومنهم من ترك ترحة… لكنَّ الموت جمع أشتاتهم وأضدادهم، وبسط جناحيه الغُدافيين فوقهم، وقضى على مطامحهم وآمالهم.

            وفي “مرثاة في مقبرة ليبالا” (23/6/72) يتأمل في التماثيل المنصوبة فوق الأضرحة، وكل منها يحكي قصة الراقد تحته. وبين المضطجعين في رموسهم الخالية الباردة:

“خطيبان تحابا حب روميو وجولييت،

وفي اليوم الذي تقرر فيه عرسُهما،

جندلت سيارةٌ جانية العريس،

فانتحرت حبيبته حزنًا وأسىً عليه،

وعِوضًا عن العُرس توسَّد العاشقان الرَّمْس!”

 

            وهمت دمعةٌ ساخنة شعر الأديب العظيم بلذعتها على خدّه!..

            إنَّ الحياة نسيجها الشقاءُ والأحزان والمىسي؛ ما أن تبنى الآمال فيها حتى تقوَّض، وما أن تعرض الأحلام باسمةً لأبنائها حتى تُطوى وتُنقض، وبوقُ الرحيل عنها دويُّه متواصل. فكلُّ لحظة من لحظات الحياة قد تكون هي الاكسمة لمصيرنا… وعندها نتركُ القصور والأكواخ، الأطعمة الفاخرة والتافهة، الجبال والبحار، المُدُن والقُرى، الآباء والأمهات، الأبناء والبنات، الحبيبات والزوجات، الأفراح والأتراح… نترك كل شيء لتلتهم الديدانُ أجسادنا، وتنقض على مقابرنا المظلمة الصاعقات، وتعبث بنا أيدي العواصف الماحقات!(15).

            فإذا كانت هذه الخاتمة المأسوية المزلزلة هي نهاية كل حي، فما أبأس البشر، وما أتعس وجودهم في مضاجع الفناء، ومرابع الدموع والدماء لو لم يكن لهم في عالم آخر معقد رجاء وعزاء!(16).

            تلك مأساة البشر: نسيج من الحقارة والمفاسد، من التفاهة والرذ         ائل والشرور، ومُسلسل من المصائب والفواجع ينتهي… بالموت!

            إن مواقف الدكتور داهش المأساوية لا تقلُّ تأثيرًا وايحاءً وعمقًا وروعة عن مواقف شكسبير (1564 – 1616) وتوماس جراي (1716 – 1771) وكبار الأدباء

—————————————————

(15) انظر “في كنيسة وندسور حيثُ دفن الملوك وعظماء البريطانيين” (25/6/72)، و”سنرحل” (17/6/74).

(16) انظر “حاصد الأرواح” (31/10/78).

—————————————————

الملهمين. بل إن الحق يوجب الاعتراف بأن قصيدة جراي الطويلة الشهيرة المسماة “مرثية كُتبت في مقبرة ريفية” (1750) لا تُضاهي تأملات داهش أمام الموت في صدق عاطفتها، وعفوية حرارتها، وبراعة معالجتها لمختلف حالات الحزن ولواعج الأسى وأنواع الفواجع… ذلك بأن توماس جراي نفسه، على شهرته في تصوير مواقف الحزن والموت، هاجمه رائدا الحركة الرومنسية وليم وردزورث (1770 – 1850) وصموئيل كولردج (1772 – 1834)، مُتهمينه بجمود عاطفته وفتورها في شعره(17).

            وهكذا يبقى داهش الناس بعجيب أعماله داهشًا إيّاهم بأفكاره وعواطفه وخياله!

            وها إني أضع قصيدة (جراي)، وكذلك بعض مراثي للدكتور داهش. وإني أترك، بعد ذلك، الحكم للقارئ كي يقارن بين الإثنين.

————————————————–

(17) انظر الموسوعة العربية الميسرة ط القاهرة 1965، مادَّة: جراي، توماس.

————————————————-

توماس جراي (1716 – 1771)

بدأ جراي كتابة قصيدته “مرثية في مقبرة ريفية” سنة 1742 وانتهى من نظمها عام 1750.

وقد أدى اشتهار – مرثية – جراي للاعتراف بصدارته بين شعراء عصره

مرثية في مقبرة ريفية

 جرَسُ المساء ينعي النهار الراحل،

والقطيع الثاغي يتهادى بطيئًا فوق المراعي،

والفلاح يحث طريقه المتعب إلى الدار،

ويترك العالم للظلام… ولي.

                                                ******

ها هي بقايا الضوء تتزايل في الأفق،

والسكون العميق يسود الهواء،

إلا من طنين الخنفساء في طيرانها،

ورنين الجرس الناعس يهدهد الحقول البعيدة.

                                                ******

إلا هذا البرج البعيد المتدثر باللبلاب،

حيث تشكو البومة البائسة إلى القمر

ممن يتجول قرب مخبئها،

فيزعج ملكها القديم المنعزل.

                                                ******

وتحت شجرات الدردار المتجهمة هذه، وفي ظل شجرات السر وتلك،

حيث تتماوج الحشائش على كثبان بالية،

ينام أجداد القرية البسطاء،

كلّ في صومعة ضيّقة راقدًا على الأبد،

على فراش متواضع، لن يوقظه منه ثانية،

نداء النسيم في الصباح العطر،

ولا تغريد السنونو في الحظيرة المبنية بالقش،

ولا صياح الديك العالي، ولا أصداء البوق.

                                                ******

لن تعود المدفأة الملتهبة تتقد لتدفئهم،

ولن تكدح ربّة المنزل في المساء من أجلهم،

ولن يسرع الأطفال لاثغين بعودة أبيهم،

ولن يتسلّقوا ركبتيه ليتقاسموا قبلاته.

                                                ******

لطالما استسلم المحصول لمناجلهم،

وما أكثر ما فتَّت محراثهم الأرض العنيدة،

وما أعظم الفرحة التي ساقوا بها قطعانهم إلى الحقل،

وكم انحنت الأشجار تحت ضرباتهم القويّة!

                                                ******

ليس للطموح أن يسخر من كبرهم المثمر،

أو من أفراحهم البسيطة – ومصيرهم المبهم،

وليس للتعاظم أن يسمع – مبتسمًا في احتقار –

إلى قصص حياة الفقراء القصيرة والبسيطة.

                                                ******

فما التباهي بالأنساب، ولا أبّهة القوة،

ولا كلّ ما يمنحه الجمال والثروة

إلاّ وينتظر ساعة محتومة،

فما لسبُل المجد من نهاية إلا القبر.

                                                ******

وأنت أيها المتباهي لا تُلق باللوم عليهم،

إن لم تقم الذكرى على قبورهم أنصابًا،

حيث يتردد صدى نشيد الثناء،

في أرجاء الممشى الطويل الممتد والقبر المنقوش.

                                                ******

هل يستطيع وعاء منقوش أو تمثال حي رائع،

أن يرد نفس الحياة الهارب إلى مسكنه؟

وهل يملك صوت “الفخر” أن يبعث التراب الساكن؟

وهل يُطيب الملق أذن الموت البارد الكئيب؟

                                                ******

ربما يرقد في هذه البقعة المهملة،

قلبٌ تأججت فيه النار السماويّة ذات يوم،

أو أياد كانت تستطيع التلويح بصولجان الملك،

أو بعث النشوة في أوتار القيثارة الحيّة.

                                                ******

ولكن “المعرفة” لم تبسط لهم أبدًا،

صفحتها العريضة، الثرية بما غنمت من الزمن،

فالعسر المدقع قد كبت حمية نبلهم،

وجمَّد مجرى العبقرية في نفوسهم.

                                                ******

كم من جوهرة صافية هادئة،

تضمها الكهوف العميقة المظلمة في المحيط،

وكم من زهرة ولدت لتتورد في سكون،

وتهدر عبيرها في هواء الصحراء.

                                                ******

فلعلّه يرقد هنا “هامدن” قرويّ صمد بصدر مقدام،

للطاغية الصغير في حقوله،

أو “ميلتون” آخر صامت لم يتوّجه المجد،

أو “كرومويل” بريء من دم بلده.

                                                ******

كانوا كلهم قادرين على انتزاع تصفيق النواب المنصتين،

واحتقار وعيد الألم والخراب،

وغمر الأرض الباسمة بالوفرة،

ورؤية تاريخهم في عيون الأمة.

                                                ******

لكنّ قدرهم حرمهم كلَّ هذا، وهو لم يحدّ فقط،

من فضائلهم النامية، بل قيَّد جرائمهم،

فحرمَهم من الخوض خلال المذابح إلى العروش،

ومن إغلاق أبواب الرحمة في وجه البشر،

ومن اخفاء وخزات الضمير المعذب من أجل الحقيقة،

وإخماد حمرة خجلهم الصادق،

وتكديس محراب الرفاهية والكبر،

ببخور يشتعل بلهيب ربات الفنون.

                                                ******

وبعيدًا عن صراخ الجماهير المجنونة الدنيء،

لم تعرف رغباتهم الهادئة كيف تجنح أبدًا،

فحافظوا على نغمة طريقهم الهادئة،

طوال عبورهم وادي الحياة المنعزلة الرطيب.

                                                ******

لكن نصبًا واهنًا يقوم عن قرب،

ليحمي هذه العظام من المهناة،

تزينه أشعار بسيطة ونحت لا معالم له،

يستدرّ من العابر زكادة زفرة واحدة.

                                                ******

هنا تهجدت ربّةث الشعر الأمية أسماءهم وحياتهم،

لتقوم مقام الشهرة وقصائد الرثاء،

ونثرت نصوصًا مقدسة،

تنصح القرويّ الصالح كيف يموت.

                                                ******

فمن ذا الذي يُسلّم هذا الوجوج السارّ القلق،

غنيمةً للنسيان الأخرس،

أو يترك التخوم الدافئة للنهار البهيج،

دون أن يلقي خلفه ولو بنظرة حنين لاهف؟

                                                ******

إلى صدر مغرم تركن الروح الراحلة،

والعين المغمضة تتطلب بعض الدموع الورعة؛

إنّ صوت الطبيعة يرتفع حتى من جوف القبر،

ونار الحياة تضطرم، حتى في رمادنا.

                                                ******

إنْ حدث أن قاد التأمّل المنفرد روحًا قربة من روحك،

إلى هذا المكان فسوف تسأل عن مصيرك أنت،

يا من تعبأ بمن مات بلا تكريم،

وتقصّ في هذي الأبيات حكايتهم البسيطة.

                                                ******

وقد يجيب راع أشيب الرأس: –

“طالما شاهدناه عند بصيص الفجر،

يزيل الندى بخطى سريعة،

ليقابل الشمس فوق المرج العالي.

                                                ******

وهناك تحت أقدام شجرة الزان خافضة الرأس،

التي تنعقد جذورها العجوزة العجيبة الشكل إلى أعلى،

كان يتمدّد في تكاسل وقت الظهيرة،

متأمّلاً الغدير الذي يثرثر بجانبه.

                                                ******

بالقرب من تلك الغابة، وهو يبسم آنًا بسمة يبدو فيها الاحتقار،

وآنًا يهيم على وجهه متمتمًا بتصوراته المغرقة في الخيال،

ومرة حزينًا مكتئبًا، شاحبًا، كمن هجره أحبابه،

أو كمن أخبلته الهموم، أو أقنطه حبٌّ يائس.

                                                ******

ذات صباح افتقدته على التلّ المعتاد،

على طول المرج، وقريبًا من شجرته المفضلة،

ثم جاء آخر، ولم نعد نراه بجوار الجدول،

ولا في أعلى المرج ولا عند الغابة.

                                                ******

ثم رأيناه محمولاً في موكب بطيء على طريق الكنيسة،

تصاحبُه التراتيل الحزينة.

اقترب واقرأ (ففي وسعك أن تفعل)، اقرأ النشيد،

المنقوش على الحجر تحت شجرة الشوك العجوز تلك.

                                                ******

الشاهد

هنا يرقد رأسه فوق أحضان “الأرض”،

“شاب” لم تعرفه “الثروة” ولا”الشهرة”،

لم يعبس “العلم” النزيه عند مولده المتواضع،

واختاره الكدَر له خلاًّ

عظيمًا كان كرمه – وروحه كانت وفية،

جازته السماء بسعة،

فقد أعطى “للبؤس” كل ما ملك… دمعه،

واكتسب من السماء – وكان كل ما تمنّاه – صديقًا،

                                                ******

لا تُنقِّب عن فضائله لتكشفها،

أو تستخرج معايبه من مأواها المهول،

(فهي ترقد جميعًا متماثلة هناك، وفي أمل مرتعش)

على صدر أبيه وإلهه.

                                                                                                            كتبت سنة 1742 – 1750

                                                                                                            نشرت سنة (1751)

هذه القصيدة مقتبسة من كتاب “مختارات من الشعر الروماتيكي الإنكليزي”، اختارها وترجمها وعلق عليها د. عبد الوهاب المسيري ومحمد علي زيد، المؤسسة العربية للدراسة والنشر، بيروت، 1979، ص 77 – 83.

الدكتور داهش

في مدينة الأموات

هذه المرثية مأخوذة من كتاب “عواطف وعواصف” للدكتور داهش، ص 22

 

دخلت (مدينة الأموات) الصامتة!

ثم وقفتُ أمام جدث تعلوه رخامةٌ مصقولة!

وإذا بي أقرأ اسم (الصبية) التي تثوي تحتها!

فوجمتُ، وانهمرتْ من عيني دمعة حارّة!

لقد حصدها منجل (الموت) ولمَّا تكمل الثامنة عشرة من سنيها!

إنها زهرة ندية، وغصنٌ أملودٌ، وكاعب هيفاءُ نافرة!

لها آمال عذبة لم تحققها لها الأيام الغاشمة،

فانطوت صحيفتها وأصبحت في ذمّة الأبد،

تضمّها حفرتها الخالية، الباردة، المنسية، حتى يوم النشور!

وانتقلتُ إلى قبرٍ آخر… وقرأت اسم قاطنهِ!

فإذا به (شابّ) في الحادية والعشرين!…

لله أيها (الموت) ما أقساك!

وما أبعدَ الرحمة عن فؤادك!…

أتهصرُ غصن هذا (الشاب) وتوردُه موارد التهلكة،

وهو ما يزال في ميعة الصبا وعنفوان الشباب؟

ألم تعطف على والديه المسنين، المسكينين، المهدمين؟!

ألم ترحم شيخوختهما الذابلة، فتترك لهما وحيدّهما، ومعيلهما؟!

الم تأخذك بهما رحمةٌ فتشيح بوجهك عنه؟

ترى؟… ما هي الحكمة في طي صفحة هذا الشاب،

وإبقاءِ الشيخ المسن الذابل؟

… وانسكبت عبرةٌ أخرى من عيني!…

فشعرتُ بها تلذعني كالجمرة المتقدة!…

وسرتُ الهويني، وأنا منكس الرأس، والحزنُ يسري في أحشائي…

وأنا تائه اللّ، مضطرب الجنان، معقود اللسان!

فاصطدمتُ بمجموعة كبيرة من القبور، تعلوها الأنصاب،

وقد نُقشتْ على لوحاتها أسماءُ من يرقدون تحتها وأعمارُهم!

وقد لفَت نظري أسماءُ بعض الأطفال

الذين لم يتجاوزوا الثالثة، والخامسة،

وقد طواهم (الموت) بجبروته الصارم!

فعفَتْ آثارهم، بعد أن تصرمت حبال أعمارهم!

وللحال!… رحتُ أتأمل في حياة الإنسان الغريبة العجيبة:

ترى ما هي (الحكمة) الألهية من خلقنا،

ثم دفعنا إلى وادي الدموع والآلام؟!

ولِمَ ينتهي أجل تلك الصبية وهي ما تزال في إبّان صباها، وريّان أمانيها؟!

وذلك الشابّ؟ وهو بعد لم يعرف خير الحياة من شرّها!

وما الداعي للقضاء على هؤلاء الأطفال الأبرياءِ

الذين لم يجنوا ذنبًا يستوجب عليهم القصاص؟

ترى ما هي الحكمة من قصة الحياة ثم الموت؟!

أطرقتُ! … ثم فكرت، ولكن عبثًا!

إذْ ما عادت عليَّ هذه الأفكار بطائل!

ولمّا أعياني البحث والاستقصاءُ خرجتُ من (مدينة الأموات)

وأنا أجهل مني ساعة ولجتُها!

وكان صوتٌ رهيب يدوي في أعماقي قائلاً:

“إعتبر أيها المسكين مما شاهدت، وسر على الطريق القويم،

كي يُكتب اسمُك في سجلَّ العالم الخالد؛

واعلم أن حياة الإنسان مهما طالت فهي قصيرة!”

فأعجبتُه بضميري: نعم نعم، سأفعل.

بيروت، مساء 22 كانون الثاني 1943

 

تأملات في مقبرة

وهذه المرثية مأخوذة من تكاب “أوهام سرابية” للدكتور داهش

زحف الليل رويدًا رويدًا،

فغمرتْ دجنتعه الأودية وارتقت قمم الجبال،

فعادت الخلائق لتأوي إلى مضاجعها،

وتألقت النجوم لتشاهد أهوال مفاجعها،

وجعلتْ ترمقني بحذرٍ مُريب وعجبٍ شديد،

وأنا في سكينة الليل فريدٌ وحيد،

أجوس في ربوع (مدينة الأموات) الراقدة.

                                                ******

شاهدتُ القبورَ مبعثرةً في الأرجاء الكئيبة،

وكان أكثرها حقير المظهر بصورة مؤلمة،

فلا أنصاب تزخرفها ولا أسماءَ تُظهر قاطنيها،

وكلُّ ما يُعلمك أنك أمام أحد الأجداث هو صليبُ قد رُسم بمادة كلسية.

ولم يكن شيء ليدعوك تشعر بالروعة والخشوع

سوى الهدوء الأبدي، وذلك الصمت السرمديّ.

                                                ******

جلستُ على أحد الرموس البسيطة

واستعرضتُ بمخيلتي حياة من توقفت ضرباتُ قلوبهم…

فكم من زوج خلَّف وراءه زوجةٌ كانت حبيبةً على فؤاده!

وكم من أب ودع أطفاله دون أن يكون لهم مُعيل سواه!

وكم من وحدي توارى عن والجته المسنة المسكينة

مخلفًا إياها بين ذئاب البشر اللؤماء

فليس من يعطف عليها بعده

أو يهتم باعطائها كسرة من الخبز تتبلغ بها

لترد عنها عادية الجوع الكافر!

وكم من عاشق طواه الردى،

يرقد رقاده الأبدي اللانهائي،

في حفرته الخالية الباردة المنسية،

في زاوية هذه المقبرة المهجورة

الكئيبة الجدران، الكثيفة الأعشاب!

                                                ******

وكم من صبيّة هيفاء وفاتنة دعجاء،

وسنانة الجفنين، مكحولة العينين،

لها من الآمال الذهبية الرائعة الفتنة،

طواها الموت وضمَّها إليه،

فانطوت آمالها وتبددت أحلامها على يديه!

وكم من شاب يافع بادي النشاط وافر العزيمة،

عظيم الطموح، متأجج الروح،

متوقد الجنان، فصيح اللسان،

ولكن الموت لم يُمهله في دنياه،

إذ استدعاه إلى ربوعه السحيقة،

فتوسَّد لحده حتى يوم بعثه!

                                                ******

وفي زاوية (مدينة الموتى)

انتصبتْ أكوامٌ من الرمال اللزِجة،

وكأنّها الأشباح الطوافة

تنتظر أجسادًا جديدة كي تنهالَ عليها، وتضمها إليها،

وتدَعها تشعر بالراحة الخالدة بين ذراعيها،

بعد أن بحثت عنها كثيرًا في عالم الأرض،

دون أن تستطيع العثور عليها!

                                                ******

إن من يثْوون في بطون هذه القبور الخرساء

ما عادوا ليستطيعوا تنسّم هواء دنيانا،

وما عادت المناظرُ الطبيعية الأخاذة لتفتنهم،

وما عادت الكنوز والمجوهرات لتبهرهم،

وما عادت عيونُهم لتستطيع مشاهدة أحبائهم الأعزاء،

وما عادت الأحقاد والأحزان لتقطن في صدورهم،

وما عادت أغاريد البلابل الصادحة لتوقظهم،

فقد رقدوا رقادهم العميق الأبدي!…

                                                ******

الأمُّ تنتظر وحيدها في كل مساء ولكنه لن يعود!

والعاشقة تترقب أوبة المُدنف بها، ولكنه ما عاد يأبه لمفاتنها!

والشاب ينتظر عودة والده إليه، ولكنه رحل إلى غير ما عودة!

والشابة تتضرع لوالدتها كي تعود،

فيُرجّع الفضاءُ صدى توسلاتها الفاشلة!

والأخ ينتحب بمرارة قائلاً: “عُدْ إليَّ يا أخي! يا حبيبي!”

ولكن على غير طائل!

والصديق يندب صديقه المتواري في عالم الأسرار العجيب!

                                                ******

جميع هؤلاء قد رقدوا رقادهم الأخير، واضطجعوا ضجعتهم الأبدية!

وما عادت عيونهم لتكتحل برؤية أعزائهم الأحياء،

وما عاد أقرب الناس يهرع بشوقٍ لاستقبالهم،

وما عادت جمراتُ الموقد في الشتاء لتشتعل كي تُدفئ أيديهم!

لقد نسيهم الجميع واندثرت صُورُهم في مخيلة من خلفوهم!…

حقًا إنَّ الإنسان مفطور على النسيان!

                                                ******

وما ابتعدتُ قليلاً في هذه المقبرة الموحشة

حتى اصطدمتُ بقبرٍ يعلوه نصبٌ فخم،

وقد قام على حجرٍ هندسيّ ضخم،

فعرفت أنه لأحد الأغنياء.

                                                ******

عجبتُ من الإنسان السقيم الأفكار،

وردّدتُ في نفسي الحزينة قائلاً:

لله هذا الغرور الزائف والمجد البشريّ الحقير!

فماذا يُجدي هذا النصب الذي اعتلى هذا الجدث؟!

وما هو نفع هذه النقوش المزخرفة؟!

تُرى، هل تستطيع هذه الرسوم الفنّية،

وهذا الغنى الطائل والثروة الفاحشة

أن تُعيد الحياة إلى قاطن الثرى؟!

وهل يستطيع هذا الاسم ذو اللقب العريق

أن يدع الموت يعفو عن ساكن هذا اللحد؟!

ومن يُدريني أن من مررتُ بهم من الفقراء

الذين لا تعلو قبورهم الأنصابُ أو التماثيلُ والنقوش

لا يتفوقون بعفة نفوسهم وسمو مبادئهم،

ويمتازون برقةِ شعورهم وطهارة أرواحهم

عن هؤلاء الأغنياء الذين يحاولون التدليس على الأحياء،

حتى بعد انطلاقهم وانطفاء شعلة حياتهم،

بمظاهرهم الخارجية الكاذبة؟!

                                                ******

أطرقتُ وأطلقتُ العنان لدموعي…

ثم خرجتُ من (مدينة الأموات)،

وأنا واجم النفس، حزين الروح، وقلتُ:

اللهمَّ! عندما تدعوني إليك،

فألهم أحبائي أن يدفنوني

بين الفقراء والمساكين!

بيروت، 7 كانون الثاني سنة 1945

 

في مدينة الأموات بجنوى

وهذه المرثية مأخوذة من كتاب “التائه في بيداء الحياة” للدكتور داهش

دلفتُ إلى مدينة الأموات بجنوى،

فإذا بالسكينة تشمل مدينة الراقدين رقاد الأبد،

وإذا بالهدوء يسود مثوى الراحلين من أرضنا الفانية،

فيكاد لا يُسمع ركزٌ ولا إيقاع.

آلاف من القبور تعلوها الأنصبة الرخامية،

وقد ثوى فيها رجال ونساء، شبّان وشابّات،

كما ثوى في الثرى أطفال رُضَّع لم تكتحل أعينهُم بمرأى عالمنا الفاني.

وكانت أشجار السر وتُظّلل قبور الراقيد،

وهي تتمايل من تأثير النسيم، فتهتزّ، وكأنها تهتزّ اهتزاز التأثّر

على رحيل هذا الجيش العرموم من الخلائق.

وكانت التماثيل الحزينة تحكي قصة الألم المرير

الذي أحاق بمن وضعوا هذه الأنصبة فوق قبور أحبائهم.

خشعتُ لمرأى الآلاف من القبور المنتثرة،

والمنتشرة في هذه الرقعة من الأرض العظيمة الاتساع،

وقرأت اسم شابة لم تُكمل سنيها العشرين

وقد ثوت تحت ثرى جنوى،

فحزنت نفسي لهذه الوردة النضرة التي حصدها منجلُ الموت الرهيب،

قبل أن تذوق حلاوة الحياة أو مراراتها.

وهناك قبرٌ رخاميّ ضم في ثناياه شابًا غصَّ الإهاب

ملؤه برد الشباب،

انطلق من عالم الأرض، ورحل بعيدًا عنها إلى عالم المجهول القصي!.؟

إن من يرقدون في أجداثهم قد ابتعدوا عن عالمنا المليء بالشرور والمُترع بالشهوات الأثيمة.

فمنهم لو امتدت به الحياة لأصبح شهيرًا يُشار إليه بالبنان، ومنهم الأغنياء الذين بذلوا أموالهم في مُتعهم الدنيوية القصيرة الأمد، ومنهم الفقراء الذين انطلقوا دون أن ينالوا ما كانوا يهدفون للوصول إليه، ومنهم الأذكياء السريعو الخاطر، ومنهم الأغبياء صنو من يسير على الحافر. ومنهم السكير العربيد، والناسك القانت، والداع7ر المبتذلة، والمدّعية بصونها لشرفها.

ومنهم من خلَّف لذويه حرقة ولوعة ستلازمهم ما لازمتهم الحياة، ومنهم من ترك لمن خلفهم وراءه فرحة عظيمة، إذ سيتمتعون بأمواله الوافرة.

أجداثٌ وأجداث، وقبورٌ ممتدة

لا يستطيع أن يحصيها راغبٌ بمعرفة عددها،

وقد ثوى في جوفها الصالح والطالح، الشر والوديع،

الشديد البخل والكريم!

                                                ******

واهًا لحياة  الإنسان الشقية! أو هذه هي نهايته التي لا بد منها؟!

حقًا إن جميع مُتع دنيانا أجلُها أقرب إلينا من حبل الوريد.

فجميع آمال الإنسان مصيرُها إلى زوال أزليّ.

وجميع أمانيه نهايتها إلى فناء أبديّ.

وخرجتُ من مدينة الأموات وأنا حزين النفس، كسير الروح،

وأنا أُردّد بنفسي قائلاً:

_ أيْ خالقي وموجدي وواهبي الحياة،

إذا لم تشملنا بعين عنايتك الإلهية وترحمنا،

فإن مصيرنا هو جهنّم النار المتقدة.

ثم أحنيتُ رأسي أسىً، وتوجهتُ إلى مدينة الأحياء الأموات.

                                                                                    مقبرة جنوى، في 22/10/1971

                                                                                    من الساعة الواحدة إلا ربعًا حتى الواحدة

 

مرثاةٌ في مقبرة ليبالا

وهذه المرثية مأخوذة من كتاب “تراب وسراب” للدكتور داهش

ولجتُ مقبرة قرية ليبالا الناروجية،

فهالتني كثرةُ القبور المنتشرة فيها:

فهنا جدث أقيم فوقه نصبُ ملاك يغمره الحزن،

وقد استضاف هذا الجدث رجلاً تعب من أيامه، وأيامه تعبت منه.      وتابعتُ سيري، فإذا بلوحة رخامية دُوِّن عليها اسم الصبية

التي طواها الموت وهي لمّا تُكمل ربيعها الثامن عشر،

وقد ثُبت رسمها على الرخامة، فإذا هي كاعبٌ هيفاء

ينبثق الجمالُ من وجنتيها ويكمن الذكاءُ في عينيها،

وقد أسدلتْ شعرها الطويل حتى  بلغ قدميها،

وعلى ثغرها ابتسامة الأمل المليء بأحلام السعادة.

ولكنَّ الموت كذّّب ظنونها واخترم أمانيها،

وأدخلها جوف الحفرة المظلمة الباردة المنسية

فوا حرَّ قلبي على الصبا يغتاله الموت وتفترسه المنية!

                                                            ******

ومررتُ أمام قبر قد حوى جثمان طفل صغير.

أوّاه! ما أقساك أيها الموت! ألا قلب لديك

يردعكَ عن استلال روح هذا الطفل البريء

وإسكانه عالم القبور الصامتة صمتها الأبدي؟!

وماذا جناه هذا الملاك من الخير أو الشر

في دوره هذا حتى صرعته وجندلته بقسوة رهيبة؟!

                                                ******

وسرتُ بين القبور وأنا حزين واجم مطرق الرأس،

وإذا بتمثالي أب وأم ينوحان على شاب مسجى

هو وحيدهما، هو معيلهما، هو أملهما في شيخوختهما،

فعرفتُ أن نزيل هذا اللحد هو ابنهما.

وقد أبرز المثال اللوعة القتالة على وجهيهما المغضنين.

فلو قُيِّض للألم أن يتجسد لما كان إلا هما.

وقد فهمتُ من حفار القبور ومن حارسها

أن هذين الوالدين قد برح بهما الحزنُ الهائل

فغادرا دنيا الأحزان والآلام بعد وفاته بأيام.

                                                ******

ثم قادتني خطواتي أمام جدثين متقابلين،

وعرفتُ مما قرأته منقوشًا على رخامتي القبرين

أنَّ من يثوي في هذين اللحدين

هما خطيبان تحابا حبَّ روميو وجولييت.

وفي اليوم الذي تقرر فيه عرسُهما

جندلت سيارةٌ جانية العريس،

فانتحرت حبيبتُه حزنًا وأسى عليه،

وعِوضًا عن العُرس توسد العاشقان الرمس.

وهمت دمعةٌ حارة شعرتُ بلذعتها على خديّ!

أهكذا تذهب الآمال، وتضمحلُّ الأماني بلحظة خاطفة؟!

أيطوي الموتُ رغباتنا، ويبدد أشئواقنا وكأننا لم نوجد؟!

وهكذا تمضي الأيام، وتُطوى الأعوام،

فإذا بنا نسيٌ منسي؟!

ما أشقى حياة الإنسان وما أتعسها!

قبورٌ وقبور!… أجداثٌ وأجداث!… رموسٌ ورموس!…

مررتُ بها وفي كلّ منها يثوي إنسانٌ كان يضجُّ بالحياة،

فأصبحت السكينة تلازمه حتى يوم يُبعثون،

سواء أكان رجلاً أم امرأة، شابًا أم شابة،

كهلاً أم يانعًا أم طفلاً رضيعًا.

إن كلاًّ منهم قد أصبح في عالم آخر غير عالمنا البشري.

شعرتُ بحزن هائل يستولي على مشاعري ويهيمن على تفكيري،

وألم جارف يقطن في خلايا فؤادي.

وقلتُ تبًا للإنسان، ما أتفه حياته القصيرة!

إنه ما يكاد يرى نور الحياة حتى ينتقل إلى ظلمة القبر،

بعدما ينقضُّ عليه الموتُ فيفترسه،

ويُدخله عالم الصمت الابدي والسكينة السرمدية!

                                                ******

خرجتُ من هذه المقبرة وكان الظلام قد غمرها،

ورفعتُ رأسي نحو السماء والشجن يرتديني لباسًا له،

وقلتُ: يا إلهي وموجودي وواهبي الحياة،

لقد شبعتُ من الأيام، وذقتُ من أحزانها مرارةً حنظلية،

فأطلق عبدك أيها القدير، وحقق له هذه الأمنية،

إذ تأكد له أن الحياة الدنيا ليس فيها من أمان،

إنما هي دار أحزان، دار الآلام والأشجان!

ودعه يلج فردوسكَ الإلهي فيحيطه الاطمئنان،

ويتمتع بمباهج رائعة في تلك الجنان.

أوسلو – الناروج، في 23/6/1972                                            الساعة الثانية إلا ثلثاً بعد منتصف الليل

ثالثاً: مأساة الدكتور داهش

 

إنَّ مأساة البشر تمثلت لمؤسس الداهشية مذ كان فتيًا، فحملها في أعصابه وقلبه، لكنه حمل فوقها مأساته الحميمة المتعددة الفصول والأبعاد.

            فمن يُطالع كتاباته، مُذْ بدأ يخطُّ أفكاره وعواطفه، سرعان ما يُلاحظ أنَّ شقاءه في الحياة الدنيا شامل دائم. فلا المال يُعزيه، ولا المجد يُسليه، ولا هدايته للناس تُؤاسيه، ذلك بأن شقاءه ناتج، بالدرجة الأولى، عن غربته الروحية، وغربة أفكاره وآرائه وقيمه، غربة الوردة بين الأشواك، والطيب بين الأوساخ، والحمامة بين الغربان، والحمل بين الذئاب، غربة شمس الحياة في الظلمات!

            ولذا فليس عجيبًا أن يشعر بالتعاسة أينما وُجِد. فكم رحلة ورحلة قام بها حتى كادت قدمه تطأ كل عاصمة من عواصم العالم، وكلَّ حاضرة من حواضره، ومع ذلك فالحزن والشعور بالشقاء كانا ملازمين له، صاهرين لقلبه، سواء كان فوق الغبراء، أم في الطائرة تشقُّ عباب الفضاء، أم في السفينة تمخر به الماء… إنه الغريب الأعظم والأسمى في هذا الكوكب، موطنه ليس في الأرض، بل في تلك العوالم العلوية القصية.

            هذه الغربة صورها تصويرًا رمزيًا أشبه بالحلم في قطعته الوجدانية القصصية “وحيدًا في البوادي” (9/1/75). وخلاصتها أنه بينما كان يضرب وحيدًا في البادية قاصدًا الوادي، طلع عليه جمهورٌ من أعدائه وحساده، وحاولوا قتله. وإذا بحاد على ناقة ينقذه، فيطعمه ويقتل أعاديه بمعجزة.

ويعرف أن مخلصة هو الفادي الإلهي الذي ما تلبث أن تُحلق به ناقته نحو الأعالي، تاركةً رجل الروح الغريب وحيدًا، مرَّة أُخرى، في الفيافي.

            تُرى، ألا يسوغ أن يكون الفادي في هذه القصة رمزًا لشخصية مؤسس الداهشية التي أنقذته وعرضت نفسها للقتل في أذربيجان، في أول تموز سنة 1947، لتدفع عنه الأذى؟ ثم ألا يصح أن يكون ارتقاؤها إلى الأعالي رمزًا لقيامة الشخصية المنفذة من الموت(18)؟

            إن الغربة الروحية صفة نفسية يتميز بها الأنبياء والهُداة والمصلحون الروحيون وعظماء الشعراء والأدباء في العالم؛ وهي تُثبت أن بينهم قاسمًا مشتركًا هو عدم انتمائهم لهذه الأرض الفاسدة.

            وقد لفَّتْ هذه الغربة، لدى مؤسس الداهشية، كآبةٌ عظيمة وهمومٌ مقيمة منذ سنة 1935. ففي هذا العام عانى الدكتور داهش محنةً أشد من الموت وأدهى، إذ نقلب عليه عددق ممن ائتمنهم وقربهم، فخانوه وناصبوه عداءً مستميتًا، كاشفين عن نفوسٍ خبيثة، وضمائر عفنة، بعد أن أتاحت الظروف لهم أن يخلعوا عن وجوههم الأقنعة، فإذا الحملان ذئاب كاشرة عن أحقر الأنياب!

            وعلى رأس هؤلاء عبد الرحيم الشريف الخليلي الذي اختلس من سيده وولي نعمته داهش عشرين ألف جنيه فلسطيني كان قد أودعها البنك العربي في القسد؛ وتم اختلاسه لها باستخدامه وكالةً ائتمنه عليها الدكتور داهش، فإذا به يُسيء الائتمان، الأمر الذي اضطر سيده لطرده، ثم تشهيره وتأديبه، بعد أن استفحل امرُ افتراءاته وتجنياته(19).

————————————

  • حول مصرع شخصية مؤسس الداهشية سنة 1947، راجع الفصل الثالث من “معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان” بقلم غازي براكس، الطبعة الثانية 1974، وكذلك “مراثي الأدباء والشعراء والصحفيين… بمؤسس العقيدة الداهشية”، 1979، ص 7 – 20: وكلاهما صادران عن دار النسر المحلق، بيروت.
  • انظر الكتاب الرهيب الذي صدر ضد الخليلي بعنوان “الخائن المطرود النذل عبد الرحيم الشريف الخليلي الوغد هذا الحمار الممتد الأذنين والطويل الذنب”. ولا شك في أن هذا المجلد الضخم المنطوي على 720 صفحة والمطبوع طبعة فخمة أنيقة حافلة بالوثائق هو أرهب هجاء عرفه التاريخ في سياقه الطويل.

—————————————

ولا شك بأن هذه الخيانة قد أحدثت في نفس الدكتور داهش، وهو ما يزال في عنفوان شبابه، جرحًا بليغًا وسخطًا عارمًا على البشر، وجعلته ينتزع ثقته من كل مخلوق(20)

وخصوصًا أن الزمن ما طال به حتى جرعة كأس خيانة أخرى!… ولكن، هذه المرة، من واحدة من بنات حواء. وقد خلد ذكرى هذه الحادثة في قطعة ألمعت إليها سابقًا، وهي بعنوان “خائنة الشرف وزنديقة”، ويرقى تاريخها إلى 11/7/1937.

ولكن الأقدار أبت إلا أن تُجرعه كاس المرارة حتى الثمالة؛ فتوفي في السنة نفسها أعزُّ أصدقائه وتلامذته الروحيين، عهد ذاك، الشاعر الفلسطيني الفذ مطلق عبد الخالق صاحب ديوان “الرحيل”، وتوفيق العسراوي الذي تنسك في البتراء وقضى بصومعته فيها؛ فرثاهما رثاءً ناضحًا بالصدق والأسى، طافحًا باللوعة والتفجُّع.

      وهكذا وجد نفسه وحيدًا غريبًا في أرض لا يرتاح إليه إلا من كان من أترابها، وأشواقُه منجذبة إلى تُرابها.

      وما هي إلا بضع سنوات حتى أعلن الدكتور داهش في بيروت بدء عهد (الرسالة الداهشية). كان ذلك في 23 آذار سنة 1942.

      وسرعان ما تهافت اللبنانيون من جميع فئاتهم لمعاينة خوارق الرجل العظيم والاسمتاع إلى تعاليمه الروحية. وآمن بدعوته نخبة من المثقفين والمنتمين إلى علية القوم، وبينهم الأديبة والفنانة الكبيرة ماري حداد وزوجها وبناتها الثلاث. وقد أحدث اعتناقهم للعقيدة الجديدة، فضلاً عن اعتناق عدد من الأطباء والوجهاء لها، زلزالاً في الأوساط الدينية المسيحية – ولا سيما الكاثوليكية – كما في الأوساط السياسية الرئاسية، ذلك بأنه لم تمض بضعةُ أشهر حتى تسنَّم بشارة الخوري زوج لور شيحا شقيقة ماري حداد مقام الرئاسة الأولى في لبنان، وسانده رهط من زبانيته وانسبائه المتشبثين بأذيال اليسوعيين؛ كان ذلك في خريف سنة 1943.

      ومضى عام مشؤوم آخر سمحت الأقدار فيه أن تشن السلطات السياسية الجديدة وحلفاؤها الحزبيون والدينيون حملة اضطهاد عنيفة متعسفة ضد مؤسس الداهشية. وإنها لحربٌ خسيسة أعلنها الباطل والغواية ضد الحقيقة والهداية، ندَر أن شاهد التاريخ نظيرها؛ وقد انتهت بأن قُبض على صاحب الرسالة الروحية في 28 آب 1944 ظلمًا وعدوانًا، ثم اقتيد إلى السجن، وجُردَّ من جنسيته، وأُبعد خارج الحدود، بعد أن سيم أشد أصناف العذاب؛ كل ذلك من غير أية محاكمة أو أية إجراءات قانونية مشروعة.

      وقد أعقبت هذه الحادثة الرهيبة انتحار ماجدا حداد في 27 كانون الثاني 1945، احتجاجًا صارخًا على الظلم الهائل الذي أُوقع بمؤسس عقيدتها الروحية؛ ثم تلت ذلك حملةٌ تشهيرية تأديبية معاكسة قام بها الدكتور داهش ضد المتآمرين عليه، وقد انطوت على 66 كتابصا أسود و165 منشورصا طافحة جميعها بمخازي رجال الحكم وزبانيتهم؛ وصدرت هذه السلسلة التأديبية الرهيبة باسم المجاهدة البطلة ماري حداد التي اضطرت لمقاساة عذاب السجن مدةً طويلة هي وعدد من الداهشيين البارزين بينهم الشاعر الكبير حليم دمُوس.

      هذه الأحداث المأساوية المتتابعة كان لا بُدَّ من أن تمهر وجدانَ الدكتور داهش بسمات الثورة والنقمة والأحزان والآلام مما لا يمحوه كرورُ الأيام ومرور الأعوام.

                                          *****

أما الثورة والنقمة فنراهما في قطعة الوجدانية بما كتب ضد الطاغية الذي اعتدى على حقوقه، وسلبه حريته وجنسيته عسفًا وجورًا. يصوره كالمسخ في خلقه وخلقه، ولا يدعُ صفقةً من صفات الخسة والحقارة إلا يُلصقُها به، وبتربيته، ونشأته، وزوجته، وسلوكه. فكلماتُه تنقصُّ على الباغية انقضاض الجلاميذ فتُهمشه، وتهوي فوقه هُويَّ السياط اللاذعة فتمزقه، فتارة تخرقُه وطورًا تحطمه… حتى ليتمنى الحاكم الظالم لو قُذف بهجاء المتنبي اللاذع المقذع لكافور، ولم يُقذفْ بسهام داهش الحادة وصواعقه المردمة الرعادة!…

      إسمعه يدوي فوق رأسه دوي الرعد المنذر بالصواعق ف قطعة “أنذل الخلائق” (15/1/75):

” لو كان لديه ذرةٌ من الشرف الحلال

لطلب من تتردم فوقه شوامخُ الجبال

ولكنه خائن ورعديد ووغدٌ من الأنذال.

فهو عقربٌ كريهٌ لا تؤدبُه إلا أقذرُ النعال.

إنه شارةُ الذُلِّ والعار مدى الأدهار والأجيال،

ومقرَّه جهنَّمُ النار الأبدية الأتقاد والاشتعال”(2)

 

      وأما الأحزان والآلام فتكاد تُلازمه على الدوام، حتى لكأنها القرارُ الموسيقي الذي يُرافق معظم كتاباته، وجُلَّ موضوعاته. إلا أن ثمة قطعًا كثيرة تنسجُ الأشجانُ لُحمتها والأوصابُ سداها، فتبدو لك كلماتُها كأنها آنيةُُ الأسى، وخزانات الأوجاع، وأهراء الفواجع، خصوصصا إذا تضاعفَ الألمُ المعنويَ بالألم الجسمانيّ المتعدّد الأسباب(22).

———————————————

(21) أنظر أيضًا “هو حثالة دنيئة وشارة العار” (8/2/75)، و”إلى أخي الشاعر حليم دمّوس” (27/4/76).

(22) أبرز مظاهر آلامه الجسمانية نراها في القطع التي كتبها في أوجاع يده بعد سقطته الرهيبة في 16/4/76؛ وقد جمعها في كتاب طريف خاص تحت عنوان “يدي المزلزلة”، صدر سنة 1979 عن دار النسر المحلق، بيروت.

———————————————

في 11/3/76- أي بعد يومٍ واحد من وصوله إلى مدينة الأعمال والملاهي العظيمة ومعرض الشعوب، نيويورك – يكتب قطعة “قلبي حزين”! فإذا الكآبة تستبدُّ به، والغمومُ تغمره، والمخاوفُ تُسيطرُ عليه، والطمأنينة تتراءى له حلمًا لن يتحقق! إنَّ عظمة نيويورك لم تعنِ له شيئًا ولم تدع البسمة تزوره، وملاهيها لم تجتذبه، بل على العكس، بعثت النفور في نفسه!

      لقد رافقته المتاعب مذ كان طفلاً، ونمت حوله مع نموّه، أفتتركه وقد بلغ من العمر عتيًا؟! إنَّ الراحة لن يعرفها في هذه الدنيا، فكلُّ من يسكنها لن يكون إلا شقيًّا(23).

      ويشتد ادلهمامُ نفسه حتى يلتفت إلى الليل(24)، فيراه شبيهه في دُكنته، وسميره في وحدته، ومؤنسه في خلوته، لكن الليل له النجومُ تُنير دياجيه، أما هو فليس من يُضيء طريقه الدامس. فالآلامُ تنهشُه، والمتاعب تعتصره، وليس من يمدُّ يدَّ المساعدة إليه! لكنه إذا قطع رجاءه من الأرض، فالله يبقى أملَه وملاذه الأخير.

      ويطغى الحزنُ عليه حتى يحجب عن هينيه ضحك المروج وابتسام الأزهار وروعة الغابات وصُداح الطيور؛ فلا شيء مما يُبدد الأحزان في نفس الإنسان يُزيلُ الكآبة المهيمنة عليه والملازمة له ملازمة الظل(25).

      وتسمعه في “باطل ثم باطل” (1/12/77) فتُسائل نفسك: تُرى، هل بُعثَ سُليمان الحكيم في داهش الحكيم؟! فهو يعرضُ عليك أنه اختبر كلَّ سبب للفرح والمرح، ومع ذلك ظل حليفَ الشقاءِ والكآبة. فالقصور

——————————————

(23) أُنظر أيضًا “طلبُ الانعتقا” (17/3/76).

(24) أنظر “حزينة هي نفسي” (31/8/76).

(25) انظر “حزينة هي نفسي” (31/8/76).

————————————–

 والثروات والجواهر امتلكها، والجيادُ المطهمة حازها، والثياب الفاخرة والفِراء والعطور النادرة أحرزها، والملاهي والحفلات العامرة شهدها، والعواصم والمدائن جابها بالسيارات والقاطرات والسُّفن والطيارات، وكنوز الفن أذخرها، والحسان الفاتنات أحاط نفسه بهنَّ… ولكن كل ذلك عجز عن بعث الطمأنينة في نفسه! وفي نهايو المطاف لم يجد ما يقوله إلا كلمة سلفه الحكيم: “باطل الأباطيل وكل شيء باطل!”.

      ويتمثل القلق النفسي بأعتى وجوهه وأدهاها في “قلق صاعق” (4/10/78). فمن خوف جائح، إلى تذكر مضن للبلايا التي طوقته وناشته بأنيابها رسولة المنايا، إلى التخيلات الجهنمية المحمومة، إلى الظنون الأبليسية المسمومة… حتى يُرهَق فيبتهل إلى الله قائلاً:

      “رحماك يا إلهي! رحماكَ يا خالقي وموجدي،

      أبعدْ عني هذه الكوابيس الصاعقة المدمرة

أو فاصعقني، فأريح وأستريح”.

 

جبلُ اليأس والألم بلغ رجلُ الروح ذروته، ومن أعلى جلجلة العذاب راح ينظر إلى العالم.

وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنَّ الدكتور داهش خصص لبعض محاور حزنه الكبرى كتبصا وجدانية مستقلة، من مثل كتاب “نهر الدموع”(26) المنطوي على مراثيه في خبصا، و”قيثارة الأحزان أو روح تنوح” المشتمل على تفجعاته على شهيدة الداهشية الأولى ماجدا حدّاد، و”أناشيد حزينة” المحتوي على مراثيه في والدته السيدة شموني(27). ذلك فضلاً عما نحدُه من قطع هي ذوبُ الكآبة في تضاعيف كُتُبه الوجدانية المختلفة(28).

————————————–

(26) صدر عن دار النسر المحلق، بيروت، 1979.

(27) الكتابان سيصدران عن الدار نفسها سنة 1980)

(28) من مثل “بروق وروعود”، 1946، و”عواصف وعواصف” 1970، و”نبال ونصال” 1971.

————————————–

هذا الواقع المأساويُّ المرير الذي عاشه مؤسس الداهشية ينعكس بصورة جلية، أيضًا، في كلماته الوجدانية التي خصصها لوداع الأعوام واستقبالها منذ نهاية 1935.

      فإذا نُظِرَ إليها نظرةً شاملة جامعة لبدت لنا أشبه بملحمة ذاتية تزخر بآماله وآلامه، وتروي حكاية كفاحه وجهاده ضد العالم الفاسد المحيطة أذرعُه الأخطبوطية به، وضد الطغاة وزبانيتهم الناسجين المؤامرات والمكايد الجهنمية عليه وعلى كل هاد ومُصلح في هذه الدنيا الدنيئة.

      في “استقبال عام 1937” نلمح أوّل إشارة للرسالة الهادية التي اضطلع بها، ولعزمه الجبار على الثبات فيها، ووعيه أن المتاعب والصعوبات والافتراءات التي يُرمى بها قد تكون امتحانًا إلهيًّا لقوَّة صبره وصموده.

      أُنظُرْ بأي صدق عميق وإيمان وطيد وتصميم عظيم يحمل رسالته ليُواجه بها العالم المُعادي له:

      “أُقسم بك يا خالقي أنه لو وُجِدَ ملايين

من الأغنياء المارقين أو الخونة المماذقين،

وملأوا طروس الأرض،

لا بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره قائلين بها:

“إنَّ رسالتي هذه غير صادقة”

لَمَشيتُ رافعَ الراس، موفورَ الكرامة.

وسأبقى على تبشيري وإذاعة رسالتي

حتى تعمَّ الأرض وتنتشر في السماء أيضًا

ولن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها، يا الله،

ما دمت أنتَ تمدُّني بقوتك الإلهية”.

 

فما أروع هذه الكلمات القاصفة للنفوس المدنسة بالإرادة الرعدية الجبروتية المقدسة! وما أشبهها بكلام النبي العربي الكريم الذي فاه به عندما عُرِضَ عليه أن يترك أمر الرسالة الإسلامية، فقال:

      “والله لو وضعوا الشمسَ في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه، ما تركتُه”.

      وبعد البدءِ باضطهاده سنة 1944 تتجلى في كلماته الوداعية والاستقبالية عزيمتُه على الانتقام من البُغاة الفاسدين. وإنه لانتقامٌ مُروع يحلم به، ويُصمم عليه، ولكنه انتقام عادل لأنه بمشيئة السماء سيكون.

      ويتعاظم عزمُه على تحطيم العقبات الكأداء التي تعترضه بقدر ما يتعاظم ألمهُ؛ ويشتدُّ هذا العزمُ الغلاب في كلماته قُبيل انهيار حكم بشارة الخوري في 18 أيلول 1952.

      وفي كلمته إلى عام 1978 تتخذ همته بُعدًا جديدًا. فهو باستمداده القدرة من السماء سيندفع بقوَّة صاروخية لتحطيم جميع العقبات الكأداء، والانتصار على أعدائه اللؤماء، ولنشر رسالته في أمريكا، ومن ثم في أقطار المسكونة جمعاء. ويتحدى جيوش الآلام ومقاومة الأنام قائلاً:

 

“إنَّ الفشل كلمة لا يعترف بها قاموسي”

هذا كلامُ العظماء الواثقين بأنفسهم، والمعتمدين على مشيئة الله.

رابعًا – الانتقام والتأديب في رُؤىً تنبئية

 

      إنَّ اضطهاد مؤسس الداهشية، ومقاومة مبادئه الروحية الداعية إلى السلام والوئام، وأُخوة الإنسان للإنسان، والمُنادية بالمحبة والتسامح والعدالة ووحدة الأديان هما اضطهادٌ ومقاومة للحقيقة نفسها؛ وإن تمادي البشر في الغوص بمستنقعات المفاسد والرذائل، وصم آذانهم عن سماع أصوات أنبيائهم وهُداتهم هما رفضٌ لكل محاولة إنقاذية يُقدمها الله تعالى لهم. ولذا فمن يزرعْ يحصدْ. من يزرع ايضطهادًا وشرًا يحصد انتقامًا وتأديبًا مُرًّا.

      ويكتسي الانتقام والتأديب في قطع الدكتور داهش الوجدانية ثوبصا رؤيويصا تنبيئيًا، ويتخذ اتجاهين: لبنانيًا وعالميًا…

      في قطعة عنوانها “الويلُ للمجرمين من يوم الانتقام المُروع” جُعلت على لسان مارس إله الحرب، وكُتبت في اليوم الأول من سنة 1948، يصف مؤسس الداهشية غضبَ الله ينصبُّ على لبنان – الذي لم يعلُ صوتٌ واحدٌ من أبنائه دفاعًا عن المصلح البريء المضطهد المظلوم – فيؤدب شعبه ويسقيه كاس الموت الزؤام، ويُدمر عمرانه وبنيانه، ويجعله عبرةً للأنام!

      وقد نشرَ الشاعر الداهشي الكبير حليم دموس خلاصة هذه الرؤيا التنبئية في عدد من صُحُف بيروت بتاريخ الرابع من كانون الثاني 1948؛ ولكن أرباب الصحف قابلوها بالتهكم، تمامًا مثلما كان مواطنو نوح يُقابلون إنذاراته المتكررة لهم بالطوفان الهاجم الداهم.

      وبعد سبعة وعشرين عامًا اندلعت نيرانُ الحرب الأهلية الضارية في لبنانن وتحققت نبوءةُ الدكتور داهش بخرابه تأديبًا لشعبه المتآمر مع حُكامه البُغاة، مثلما تحققت نبوءةُ نوح بالطوفان.

      ويصف رجلُ الروح هذه الحرب المشؤومة التي نَدَر أن شاهد التاريخُ مثيلاً لها، في ضراوتها واستباحتها كل المحرمات، بقطعة عنوانها “لبنان أيها التعيس” (25/10/75). فيُصوِّر الرعب والهول المسيطرين على النفوس، والمآسي والفواجع  التي تجتاح البيوت وتُطيح بالرؤوس، فتشرد الأطفال يتامى والنساء أيامى، ولا تفرق بين امرأة أو رجل ولا رضيع أو شيخ… فالكلُّ فرائسُ لقذائف الموت: الإنسان والبنيان، ولبنان كل لبنان طعمة للرعب والنيران! ويختم وصفه الرهيب قائلاً:

“وإذا استمرَّت المخاوفُ تترى فجميعُ سكان لبنان لا بُدَّ أن يُبحروا، وسيضمحلُّ لبنان بذهاب بنية بعدما تمزَّقُ أوصاله… وشرايينُه تُفجَّر”.

 

      وفي 17/8/76 يكتب قطعةً أخرى بعنوان “معركة جهنمية مُبيدة”، يصف فيها حرب بيروت الضارية وصفًا واقعيصا تقشعرُّ لهوله الأبدان، وينوحُ من رهبوته الإنسانُ على الإنسان، وقد انقلب إلى مسخٍ أفتك من الحيوان، يُنكّلُ بضاحاه ويُقوّض العمران، محولاً كل شيء إلى رماد ونار ودخان!… حتى تنوح بناتُ عرس بين الأطلال، وفوق الخرائب تنعق الغربان!…

      فالأشلاء تتساقط بدون حساب، والرؤوس المفلوقة تختلط بالأيدي والأرجل المبتورة والبطون المبقورة، وأنهار الدماء المهدورة!…

      ومما يبعث الهلع في أفئدة الصناديد الأبطال وصفه التفصيلي الواقعي لمختلف الفواج والأهوال التي لات ترحم حتى الأُمهات والأطفال؛ فتشعر كأن غضب الله تفجر مجلجلاً فضرب لبنان بأرهب زلزال!

 

إسمعه يقول:

“فهذه أمٌّ فجَّر الصاروخُ رأسها،

فسال دماغُها على وجهها،

وقد احتضنت طفلها الرضيع الميت

الذي انفصل رأسُه عن جسده الملائكي!

وذلك الشابّ المفتول العضلات،

وقد تمزَّق بطنُه فخرجت أمعاؤه،

وهو لا يزال محتضنًا بندقيته وكأنها عربوسه الفاتنة!

وهنالك فتاة تضحكُ الحياةُ من خلال شفتيها

احتضنت شقيقها المُحارب،

وقد مزَّقتها قنبلة جهنمية،

فإذا بهما مُجندلان يرقدان رقدة الأبد!…”.

 

وأيم الحق، إنه لوصفلإ ملحمي رائع يصور الواقع الرهيب حيًا ناطقًا بالفواجع، وستدوي اصداؤه ملء الخواطر والمسامع، ما دام في الأرض لصوت الحق سامع.

     

                                                ******

ويهاجر رجلُ الروح إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 9/3/76؛ وكان قد زارها قبل سبعة أعوام، فأعجبه جبروتُ علمها وعمرانها، ونفره فسادُ سُكانها. فإذا به يقف أمام تمثال الحرية العظيم، مخاطبًا سيّاله، مُناشدًا إياه أن يكون سوط نقمته ليُؤدَب الذين أساؤوا إلى قدسية الحرية، هذه العروس المعبوجة التي طالما صارع الطغاة من اجل حمايتها، وقارع البُغاةَ في سبيل صيانتها. إنها يجب أن تبقى مسيجة بالفضيلة والصلاح حتى لا يُشوه جمالُها.

            وقد أنذر مؤسس الداهشية أمريكا بالارعواء عن المفاسد والفجور والشرور، وإلا حاق بها التدمير الساحق الماحق ولفها الديجور، وخصوصصا أن الله تعالى منحها من القوة والحرية ما جعلها تتفوق على سائر المعمور. وقد كرَّر إنذاره لها مراراً عديدة.(29).

            لكن أمريكا جزءٌ من العالم، وواقعها نظير واقعه، ومصيرها بعض مصيره! فهل يمكن أن يختلف الحصاد ما دام الزرع هو الفساد، والتربة واحدة؟

            لا، فالحصاد سيكون نفسه للناس قاطبة: إنه الفناء المُطبق الشامل للأرض الزانية. ألم تحترق سدوم وعمورة بمعاصيهما؟ واين مخازيهما من موبقات عواصم العالم اليوم؟

—————————————–

(29) أنظر “نيويورك ونطحات سحابها” (18/9/69)؛ “تخيلات نووية” (21/87/76)؛ “المحتالان كرشن بوم والمحامي نلسون” (27/10/76).

——————————————

وتتنوَّع صورَهُ الرؤيوية لهذه الإبادة العامة:

فتارةً يدعو الله تعالى لأن يُلهم المسؤولين في روسيا وأمريكا كي يُطلقوا القنابل النووية من عقالها، أو يتخيل الصورايخ الذرية تزأر وتهدر زراعةً الرعب والفناء في أرجاء الدنيا، فتُدمّر الأرض، ويُزَجّ بالبشر الأشرار في جهنّم النار الأبدية الاستعار. (30).

            وطورًا يتمثل اليوم الأخير واقعًا قائمًا، فيسمع الصوت الإلهي يدوي برهبوت وجبروت مطوقًا الكرة الأرضية، آمرًا العناصر الطبيعية المدمرة بدك الأرض دكًا، لأن كل نسمة حية فيها أصبحت فاسدة. فإذا الزلازل تضرب الأرض، وتفجر باطنها، وتجعل عاليها سافلها، وإذا الأمطار الهتانة الطاغية تغمر اليابسة، والبحار تفيض وتجتاح المُدُن المدنسة، والصواعق تنقض بهولٍ لا مثيل له، فتتفكك الجبال، وتتحلل الذرات، وتتساوى الأعالي والمنخفضات، وتُصبح الأرض كلها بلقعًا خرابًا وقفرًا يبابًا(31).

هذه الرؤى التأديبية التنبئية تبلغ ذروتها التصويرية الانفعالية، بل حدّها الوجداني الرائع الأقصى في قصيدتين نثريتين:

            الأولى وهي بعنوان “الأرض الزانية” وقد كتبها في 29 آب 1976 وهو متوجه بالطائرة من أغادير إلى الدار البيضاء – تخص كياننا، وتهزُّ أعماقنا هزًا عنيفًا، حتى لتخرجنا عنوةً من غفوتنا، فنصحو وندهش أمام الحدث الرهيب الذي يصور أمامنا، ونبهر حيال بطله الخارق الذي يكتسي بملامح إلهية مجيدة صريحة للمرة الأولى.

———————————

(30) أنظر” غثر زيارة ملهى في روما” (15/10/69)؛ “الأرض ستدمر” (20/6/72)؛ وتفجرت دنيانا” (14/2/77).

(31) أنظر “اليوم الأخير أو الدينونة” (3/7/70)؛ “ليلة الأهوال المزلزلة” (7/11/72)؛ “أروم دك الأرض بمن فيها” (7/3/74)؛ “ليلة ليلاء مهيبة” (7/2/75)؛ “أيضًا إلى أخي سليم” (23/2/78)؛ “ومادت بهم دنياهم” (4/3/78).

—————————————————————-

يقول مؤسس الداهشية العظيم:

“حلمت أنني جالس على عرشٍ إلهي مهيب.

وقد تمنطقتُ بالشمس،

واعتمرتُ بالقمر،

وتزينتُ بالكواكب.

وقد أمسكتُ البروق بيُمناي،

والصواعق استقرت بيسراي،

وسارت العواصف بجانبي،

والأمطار تتبعت إثري خطوة فخطوة؛

وكانت الرجوم تحاذيني،

والسُّدُم تأتمر بأمري.

وسرتُ، بسرعة النور

نحو أرض البشر،

هؤلاء الأشرار الفجار…”

            هذه الرؤيا المجيدة المكتسية بالعظمة والروعة، المتشحة بالمهابة والجمال، المتسربلة بالقوة والجلال، تجمع فيها غرابة “رؤيا يوحنا” ونفس الملاحم الكبرى، وقداسة الوحي الإلهي.

            وكأن بطلها يتوحد بزيوس ربِّ الأرباب أو بمارس إله الحروب، إذ يُصدر أوامره لعناصر الطبيعة القهارة، فتتفجر الزلازل المُردمة والبراكين الصهارة، وتنقضُّ الصواعقُ المدمرة، وتثور البحار الزخارة، وتنطلق الزوابعُ والأعاصير من عقالها عتية بتارة، وإذا الجبالُ تُقوض كأنها من خيوط العنكبوت، والدنيا تنهار وتتبعثر وكل حي فيها يموت!…

            أما القطعة الثانية فهي بعنوان “تفجرت البراكين وانقضت الصواعق” (15/4/79)، وفيها يُظهر الرجل الخارق حبه لكل مظهر قوة وبطشٍ وعنف وجبروت في الطبيعة والحياة. فهو يُحبّ العواصف والبروق والرعود والزلازل والبراكين وكل ما هو ثائر في الطبيعة؛ كم يُحبّ دوي المدافع ومشاهد المعامع، وأخبار الملاحم وأنباء الحروب التاريخية الكبرى؛ بل إنه يُحب أن يتوحد بوسائل تدمير الكرة الأرضية. يقول:

“أُحبُّ لو كونت قنبلة هيدروج-ينية تبث الرعب وثردم عواصم دنيانا!

أحبُّ لو كنت الزلزال الكوني المدمر والمبيد للكرة الأرضية الفاسدة.

\لعل بعد هذا الدمار الشامل ينبثق عالم فاضل.

لكنه حلم… وهم… آمال زائفة… خيال جامح… سراب هاب!…

فحيث يوحد بشر فهناك يستقر الشر!

واأسفاه!”.

هذه الرغبة الأخيرة في أن يكون هو وسيلة التأديب الرهيبة للبشر تظهر عظم سخطه عليهم، وشدة اشمئزاز نفسه من وضاعة أعمالهم، وانقطاع كل أمل له في إصلاحهم، وتذكرنا بما قاله في مقدمته لكتاب “الجحيم” الصادر في آخر عام 1945:

“نعم لقد ضقت ذرعًا بهؤلاء البشر الملاعين،

فأحببت أن ألقيهم في “جحيمي” هذا آخذًا بعضهم برقاب بعض.

علني أبرد غليلي، واشفي أوامي،

عندما أشاهدهم يتقلبون على جمر الغضا،

والأبالسة يسوطونهم بسياطهم الأفعوانية!

حتى إذا دنتْ ساعةُ الانتقام الحقيقية لا الكلامية،

إذ ذاك يرى هؤلاء (الأجلاف)

ما سأذيقهم إياه من بلاء مُرعب بطاش!

وسأنكل بهم تنكيلاً رهيبًا.

علهم بعد ذلك عن كبريائهم وادعاءاتهم يرعوون؛

وإلى صوابهم ورشدهم يثوبون؛

فالألمُ خيرُ مطهرٍ للأجساد والأرواح لو يعلمون”(32).

————————————-

(32) جحيم الدكتور داهش، 1945، بيروت، ص 45.

——————————–

تلك كانت ملامح المأساة، وذلك كان الوجه القائم من “حدائق الآلهة” و”فراديس الإلهات”. فما عساها تكون منافذ الأمل والعزاء والسعادة؟ وكيف تُراه، يُطلُّ علينا الوجهُ المشرق من الكتاب؟

الوجهُ المُشرق من الكتاب

 

 إن المأساة المضاعفة التي عاناها مؤسس الداهشية لا يمكن أن تكون منافذ الأمل والعزاء والسعادة فيها منافذ مادية دنيوية وضيعة؛ ذلك بأن قيم العالم وأمجاده وملاهيه وملذاته رآها من الأباطيل التي زادت البشر شقاءً، وزادته منهم نفورًا وجفاءً.

هذه المنافذ أو الكوى المضيئة المفتوحة في سجن الأرض الدجوجي لا بد من أن تلائم طبيعته السامية ومهمته الروحية التي اضطلع بها؛ فإذا هي:

ـ الموت المنقذ أو الحنين إلى عالم أفضل.

– والخيال ناشدًا العزاء والسعادة والجمال عبر ثالوت الحلم والطبيعة والمرأة الفاضلة.

ـ والرسالة الداهشية أو العروس الإلهية.

أولاً – الموت المنقذ أو الحنين إلى عالَم أفضل

 

            لا شكَّ بأن الإنسان العادي سيستغرب كثيرًا من جعل الموت منفذًا للأمل والعزاء والسعادة؛ والموت كان وما يزال الكابوس الأرهب الذي يُرعب الأحياء، ومجرد التفكير به يُقلق راحتهم ويأتيهم بالغمّ والشفاء. فإذا لفظوا اسمه أو سمعوا بضحيّة من ضحاياه، تكدّروا وتشاءَموا واستعاذوا بالله!

لكن الرجل العظيم، لا سيما إذا كان يحمل رسالةً روحية، تختلف نظرته ومقاييسه ومطامحه ورغائبه عن البشر العاديين، فما يخافون هم قد يصبح أملاً له وملاذًا.

            وهكذا وعى الدكتور داهش، وهو في ميعة الشباب، أن الإنسان ما دام يحمل جسمه الأرضي فعليه ألا يبحث عن السعادة، لأن الجسد نفسه يحمل فيه أسباب الشقاء. فإذا قرأنا “حياتنا التافهة” التي كتبها سنة 1933  نراه فيها يتشوق إلى التملص من سجن الجسد ليلج عالم الروح السعيد؛ وليس من وسيلة للخلاص سوى الموت، فهو وحده الربان الماهر الذي بامكانه أن يقوجه إلى عالم السعادة.

            إنَّ موقف الدكتور داهش من الموت يُذكرنا بموقف جبران خليل جبران والروحانيين الصادقين. فهؤلاء يهديهم شعورهم إلى أن العالم الذي سيلجونه بالموت هو أفضل من الأرض. أما معظم البشر الذين تُكبلهم شهواتهم الدنيوية ورغباتهم الزرية، فإن حدسهم يُنبئهم، أيضًا، بأن الموت سيكون طريقًا إلى عالم جحيمي يُعانون فيه من العذاب أضعاف ما كابدوه في هذه الفانية.

هذه الحقيقة طالما ألحَّ عليها مؤسس الداهشية في كتابه “القلب المحطم” المكتوب بين سنة 1934 و1935، وقد سجلها بعمق وإيجاز بإحدى كلماته الرائعة سنة 1936، إذ قال:

“الموت يقظة فتانة يحنُّ غليها كل من صفت نفسه وسمت روحُه، ويخافها من كثفت أفكارُه وكثرت أوزاره”(1)

ومنذ ذلك الحين والموت يشكل محورًا فكريًا وجدانيًا في كتاباته.

إنه نداءٌ خفي يسمعه منذ صغره، يهيبُ به إلى خلع رداء المادة والعودة الى المجرة الأزلية، إلى العالم السحري البهي(2).,

——————————–

  • أدرجت هذه الكلمةت في صدر كتاب “ضجعة الموت” بصيغته النثرية، تحت رسم المؤلف.والكتاب طبع في القسد سنة 1936. لكننا نجدها أيضًا مع بعض تعديل بصياغتها في الصفحة 70 من كتاب “كلمات” الموضوع سنة 1936 والمطبوع سنة 1939 في بيروت.
  • انظر “النداء الخفي” 1974.

——————————————-

تسمعه يصف شقاءه وغربته في الأرض منذ ولادته. فالأحزان والأشجان تصاحبه، والفواجع والوجائع تواكبه، والشيخوخة تهاجمه، والأمراض تداهمه, والمصائب والمىسي تحوم حوله ليل نهار مثلما الطيور تحو حول شجرة ذات أثمار جنية، ثم تحط عليه وتندمج به اندماج الخلايا الحية(3).

            ولذلك فهو يدعو قلبه المتعب للتوقف عن الخفقان…

“فاللحد منتهى الأماني”(4).

 وينادي الحاصد البارع ليحصد روحه بمنجله الرهيف، هاتفًا،

“آه! ما أجمل عالمك أيُّها الموتُ العادل!

وما أسعدني وأنا أتجول في فراديسك الإلهية!”(5).

 

            ومثلما أن لكل شيء في الطبيعة نهاية، هكذا ستأزف ساعةُ نهايته، وإذ ذاك يُلحد، ويفرح أعداؤه, ويبكي المؤمنون به. وما أشد توقه لحلول ساعة خلاصه التي سيباركها بعد أن يلعن الحياة:

“فأسرعي أسرعي أيتها الساعة, ودعيني أرحل من عالم هؤلاء الكفار.

فقد كفاني ما لاقيتُه في عالم التفاهة، عالم الاشرار”(6)

إنَّ موته ما كان ليتمناه لولا تجربته الهائلة المزلزلة في الأرض، ولولا

——————————————

  • انظر “يوم مولد” (1/6/72)؛ غربت شمسي وأفلت أيامي” (21/11/73)؛ “التوق للانعتاق” (22/8/74)؛ “كوكب التعاسة” (19/1/75)؛ “لكل بداية نهاية” (30/1/77؛ “أدعوك لتُريحني” (26/1/78).
  • ياقلبي” (12/10/71).
  • “أيها القلب المتعب” (26/9/72).
  • “دَنتْ ساعة الرحيل” (15/1/75)؛ أنظر أيضًا “عنكبوت النسيان” (16/2/77)، و”كفرتُ بالحياة وباركتُ الموت” (11/3/77).

————————————–

يقينه بأنه سيلج مدينة السعادة المجهولة. إسمعه وهو يُجسد أمنيته في صورة ولا أروع:

“فليت الذي وهبني الحياة يعود ويستردها مني ثانية.

ليُطفأ قنديلي، وليسكب زيته كي لا يعود فيُضيء،

فتجربة الحياة إنما هي رعب قاتل وهوْل مُردم”(7).

            وانظر إلى الجمال كيف ينهلُّ سكيبًا، وإلى الشبح المرعب كيف يُصبح حبيبًا، وإلى سمو النفس كيف يجعل من الغصن اليابس ريّان رطيبا!

“تعال أيّثها الموت، أيها الصديق الحبيب!

تعال واصحبني معكَ إلى عالمك،

ضمُني إليك أيها الملاك الجميل،

وحلق بي في الأعالي نحو النجوم النيرة…

رحماك، رحمان، ألا تسمع ندائي؟

أجبني أيها الموتُ وحقق رجائي”(8).

            تُرى، هل يُناجي الحبيب حبيبته بأعذب من هذه المناغاة، وهل يسكب المُدلَّة في أذن معشوقته أرقَّ من هذه الهمسات؟! لا، وأيم الحقَّّ!

            لم يتغنَّ شاعر في التاريخ بالموت كما تغنّى به داهش، حتى لأجرؤ على القول: بعد داهش الخارق، خلع الموتُ قبحه عنه وأصبح أجمل غُرانق!

                                                **********

            ورجلُ الروح العجيب لا يتركُ سانحةً تمرُّ إلا يغتنمها للتعبير عن شوقه العظيم للقاء حبيبه الغريب.

            فبينما كان منطلقًا في القطار الذاهب من باريس إلى مرسيليا في 24/4/74 كتبَ قطعة أسماها “أسرع أيها القطار أسرع”. وإذا بالقطار الآلي يتحد،

——————————————

  • “مخاوف مدلهمة” (10/3/76).
  • “أحزان أبديّة وأشجان سرمدية” (11/9/76). أُنظر أيضًا “عزارئيل” (28/9/77).

———————————————

في خيال المؤلف، بقطار الحياة، وإذا بسرعته تندمج بسرعة الموت. فيتهلل داهش للقائه، ويستحثه ليستل روحه بمنجله الرهيف.

            وبينما يكون في نيويورك، مدينة الفخامة والضخامة والملاهي، بتاريخ 25/7/77، يلمح من النافذة نجمةً وضاءة، فيهتف صامتًا في قطعة عنوانها “سكينة شاملة”:

“لبيك يا نجمتي الحبيبة لبيكِ،

إن روحي تهفو إليك وترجو ولوجَ فردوسك،

ولكن هيهات أن أجوسكِ وأنا بجسدي المادي،

فليتني أرقد رُقاد الموت لأنعم بجنات خلدك،

علّني اجتمع بربوعك السعيدة البعيدة،

بأحبائي الذين سبقوني وهم ينتظرونني”.

تُرى، هل أدرك ببصيرته الروحية الخارقة موطن أحبائه السعيد، في ذلك النجم البعيد، فتمنى لو يصله به الموت كأنما بجسرٍ نوراني عجيبٍ فريد؟!

                                                ****

            وأعجب قطعة عن الموت اثنتان: الأولى بعنوان “مات داهش” (16/4/73، والثانية بعنوان “حقيقة مفزعة” (29/9/76).

            في الأولى يتحدث عن موته كواقع حاصل؛ فيرى نفسه جثة مسجاة، والطبيعة كلها في طوفان من الكآبة والحسرات. السماء مكفهرة متجهمة، والأرضُ ساهمة واجمة، والطيور والفراش يلفُّها الأسى، والحزن طغى في العالم وبغى، وعهد المعجزات قد انطوى.

            أما الثانية وقد كتبها في أمريكا فيتحدث فيها عن تأثير الموت المربع في جسده؛ إذيتخيل نفسه مسجى في نعش مهيب، يحتاط به الإخوة والأخوات وهم يهرقون دموع اللوعة والتفجع العظيمين. ثم يفصل وصف انحلال جثمانه بعد أن يلحد في الرمس: لا أنيس يُسامره، ولا حبيب يُلاطفه، والوحشة متسلطة عليه. وما هي إلا أيام قليلة حتى زحف الدود واجتاح جسده كله، وأخذ يغتذي بلحمانه، ناهشًا قلبه، ذلك القلب الذي لم يخفق إلا بالحب والعطف والرحمة، والذي كانت الغيدُ الصيد تتنافس في امتلاكه… أصبح مُلكًا حلالاً للديدان!… والجسَدُ الريان تحول إلى هيكلٍ عظمي مرعبس فان… ثم سيطر النسيان على الإنسان!…

            إن هاتين القصيدتين النثريتين لمن أغرب ما يخطر في البال ويبتكره خيال! فإنْ يصف الأديب موت الآخرين فهذا يكثر في المراثي، ولكن إن يصف الأديبُ موته وانحلال جثمانه… فهذا من طرائف المحال!

ثانيًا: العزاءُ والسعادة والجمال ومركبةُ الخيال

 

إن المنفذ الثاني للأمل والعزاء والسعادة هو الخيال. فهو مركبةٌ سحرية عجيبةو يعتليها الإنسان فتنقله حيث شائت أمانيه وآماله، ورغباته وحاجاته. وكثيرًا ما يكون وسيلةً رمزية تعويضية نفسية عن واقع محروم أو حزين أو مشؤوم، فيُزودُ الخيالُ، إذ ذاك، الإنسان بما حرمه منه الواقع؛ وما اشتاقت إليه نفس المرء وعجز عن بلوغه، يمدُّه به هذا الماردُ العجيبُ الخلاق. والآداب العالميةن ولا سيما “ألف ليلة وليلة” حافلة بذلك. فالأماني التي يعجز عن تحقيقها علاء الدين في حياته الواقعية، يؤمنها له “فانوسُه السحري” و”بساط ريحة”.

            وما أروعَ الخيال، وأمجده مركبةً عند داهش! إنه أشبه بمركبة أبولون النورانية الذهبية. لكن مؤسس الداهشية بدل أن يهبط بها إلى إرض الشقاء، يُصعد بها إلى فراديس النعيم وعوالم السماء! وللخيال عنده رحلات كبرى ثلاث: رحلة الحلم، ورحلة الطبيعة، ورحلة المرأة. وهدفها جميعًا اقتناص الجمال واختطاف لحظات العزاء والأمل والسعادة السانحة.

أ – الخيال وحلم السعادة الفردوسية

عديدةٌ هي الأساليب التي يستخدمها خيالُ داهش المبدع لتحقيق حلم السعادة.؟

والأسلوب الممتع الأول هو لقاؤه لعرائس البحر الفتانة التي يغوص إلى قصورها العجيبة حيث يستمتع باللذات الغريبة.

            ففي “زورق الأمل” (9/10/71) – وما أصدق هذا العوان تعبيرًا وايحاءً عن واقعه النفسي! – يتوق للرحيل عن مدُن الرذائل وعواصم الآثام، بحثًا عن “مدينة الأحلام”. وفي أثناء تطوافه البحري تتراءى له عروسُ البحر، وتغوص به إلى الأعماق حيث “مدينة السعادة” الفردوسية اللذاذات. وهناك بين ذراعيها الساحرتين يصعد آهة الغبطة والهناء:

“آه! ما أجمل عالم الحب الحقيقي وما أبهاه!

وما أقبح عالم الأكاذيب بما حواه!”

وفي “حُلم فتّان فيقظة بغيضة” (21/5/72) يرى نفسه مبحرًا في عباب اليم المجهول… وإذا بأصوات الحوريات الخلابة تتعالى داعية إياه إلى قصورهن المرجانية، وتحيط به بناتُ الماء إحاطة أسوار الماس بمعصم الحسناء، وهن يرنمن أعذب الأناشيد، والقمر يسكب من أنواره على هذا المشهد الفتان سحرصا على سحر. وفجأة يبرز من الأعماق إله البحار بوسيدون الجبار، ويحمل زورقه بأنامله العلماقة غائصًا به إلى مدينته العجيبة حيث الحورياتع الفاتنات يرتعن في حياة من الهناء لا يشوبها الحزن ولا المرض ولا الهم ولا الشيخوخة، بل يغمرها شبابٌ وفرحٌ دائمان.

وفي حلم آخر تحيط به وحشو البحر الضارية، فتقلب زورقه، وتهم بابتلاعه، فتبرز فجأة حورية فتانة وتنقذه، وتصحبه إلى قصرها المرجاني الساحر حيث تمنحه حبها الخالص الأبدي (9)

            وغالبًا ما ينتعزع الحالم من هناءته عامل خارجي كجرس المنبة أو رنين الهاتف أو غير ذلك، معيدًا إياه إلى الواقع المؤلم.

                                                ****

أما الأسلوب الفريد الثاني الذي يستخدمه المؤلف الفذ لتحقيق حلم سعادته فهو لقاء حورياته الرائعات في فراديس النعيم.

            ففي قصيدته النثرية “المدينة المقدسة” (5/1/75) نتذكر وصف أشعياء النبي لمدينة المباركة التي “يرعى الذئب والحمل فيها معًا، والأسد يأكل التبن كالبقر…”(10) ؛ لكن خيال داهش الجبار، كعادته، يقبض على النجم ليُبدع منه رجومًا ونجومًا، وعلى الشمس ليُفجر منها شُهُبًا وشموسًا!

إسمعه يصف حلمه:

“الذئب يداعب الحمل،

والنمر يلاعب الظبي الأهيف ويلاطفه،

والأسد يمرح بسرور مع بقر الغاب المسمن،

والثعلب يتناول طعامه مع الدجاج المطمئن”.

ويمضي في وصف أخاذ لتلك المدينة المقدسة. فهي لا تعرف السجون ,لا الظلم ولا الفقر ولا المرض، إذ إنَّ الجميع سواسية تضمهم المحبة إلى صدرها، وتشملهم السعادةُ في حضنها.

—————————————

  • انظر “وتضمني إلى صدرها الفتان” (24/3/74)؛ كذلك “سأبحر لجزيرة الأحلام السعيدة” (17/4/73).
  • سفر أشعياء: الاصحاح 25:65.

————————————–

وبينما يكون في نشوته مأخوذًا بمحاسن تلك الجنة، تنعطف عليه كاعب رائعة التكوين، وتصطحبه إلى مغناها… ويا لله من منزل اتخذته سُكناها: لقد بني من الورود والرياحين، وسور بالآس والياسمين، وصيغت مقاعده من مختلف أنواع الأزاهير… أما حبيبته التي زفتها الأقدار إليه فستنظره في مأواها العجيب حتى تنتهي إقامته في الأرض، وإذ ذاك يتعانق الحبيبان.

فما ألطف هذا اللقاء! وما أعذ هذا الهناء! وما أبدع قلم جاهش الذي يخلق من العناصر والأشياء قطعةً من السماء!

            وفي “سعادة خيالية” (1/2/75) يحلم أنه كان يجوس فردوس النعيم. ويصفه لنا بمفاتنه المذهلة، بأزهاره وأشجاره ومياهه وأثماره وفراشه وأطياره… حتى ليجعلنا ننسى شقاء الأرض لنحيا هنيهات سعيدة في الفردوس الذي أبدعته قدرته التصويرية الخارقة.

وفي أثناء تطوافه بهذه الجنة الساحرة يُفاجأ بغادة هي آية في الجمال، جالسة تحت شجرة بتوليا، وحولها ربرب من حوريات النعيم؛ وكانت تنشد بأنغامٍ ملائكية. وما إن شاهدته حتى قفزة كالظبي الرشيق وطوقته بذراعيها، وراحت تمطره قبلات خالدات. وكانت الحوريات ينثرن عليهما الورود والأزاهير، مُنشداتٍ نشيد الحب الخالد.

ولكن، بينما يكون مأخوذًا بنشوة عناقها الطاهر… يستيقظ على صوت بائع الصحف… وعلى واقع العالم التاسع الجائر!

            فأي شوقٍ عظيم يزرعه فينا داهش الحكيم للقاء ذلك النعيم المقيم، من غير وعظ مُمل عقيم!…

وإنه لنعيم يرتع فيه العاشقون بحب نقي وهناء أبديّ، فلا يُعكر صفوهم حاسدون، ولا يتجنى عليهم حاقدون، بل تشاركهم الطبيعةُ أفراحهم، فتنتشي الأزهار، وتهلل الأطيار والأشجار لاصطفاء ملكية الجنة للحبيب القادم المختار!…(1)

            لكن الدكتور داهش، أحيانًا، بدل أن تصعد به مركةُ خياله إلى عوالم النعيم القصية، يجعل “ملكية البهاء الفردوسي” تهبط إلى الأرض لتُلاقيه فيها! وإذا الأزاهير تكتسبُ منها ألوانها ورقتها وأشذاءَها، وتُفتتن عناصر الطبيعة بمحاسنها وتتهافت لِلثم قدميها. ويهرع حبيبُ الروح للقاء حبيبته فيضمها إلى صدره… ولا يطول الزمان حتى يستيقظ فيفاجأ بأنه لا يضم سوى وسادته القطنية!(12).

            لكن حلم داهش بلقاء حوريات الفردوس تتكرر صورُه في ذهنه، ويترسخ شوقُه في نفسه حتى يصبح التوت الحالم عزمًا يدفع رجلَ الروح إلى امتطاء صهوة الخيال واعيًا:

            “سأبسط جناحيَّ، وأُوغلُ في فلوات الفضاء اللانهائي…”

            نعم، سيوغلُ بوعيه وإرادته في الأبعاد القصية، نائيًا عن عالم المادة الموبوء، ليبلغ المجرات المهيبة، ويتجاوزها إلى تلك العوالم النوارنية…

            “حيث يفني الخيال وتحيا الحقيقة”.

            وهنالك تبدو له مدينة الفتنة الأخاذة، وتفدُ إليه عروسُ أحلامه تُعانقُه وتُقبله قبلات لا تعرف معنى الدنس، وإذ ذاك يُحلّق معها نحو مدينة العشاق المخلصين، مدينة السعادة حيث يرتعان معًا في غبطة لا نهائية إلى أبد الآبدين(13).

———————————————-

  • أُنظر “سعادة فشقاء (27/9/77).
  • أنظر “عالم الأحلام والتخيلات” (19/8/76).
  • “عروس أحلامي” (9/1/75).

———————————

            وفي “كوكب البهاء الخالد” (19/7/76) يتأكد وعيُه لمصيره، إذْ يُقرر أنه في نهاية مطاف حياته سيعبر إلى مدينة قصية الأبعاد، إلى جنة الخلود الأبدي، وهنالك ستهرج حورياتُ الكوكب الخارق البهاء لاستقباله بعدما يخلع عنه جسده المادي، ويتسربل بجسد روحي سني، وسيحتفي المختارون بلقائه، وتُطوقه فينوس ربة الجمال. وفي ذلك العالم السعيد يحيا إلى الأبد مسبحًا خالق الأكوان.

                                                ***********

أمَّا الأسلوب المُمْتع الثالث الذي يستخدمه المؤلّف لتحقيق حلم سعادته فيعتمد الرجاءَ والتمني؛ وأبرز ما يتمثل في قصيدتين: الأولى نثرية وعنوانها “متى يُفَكُ أسري؟” (16/8/76)، وقد كتبها في نيويورك، بعد أن شاهد عصفورًا ينطلق حرًا في حديقة المنزل، فقال:

“ليتني كنتُ طليقًا مثلك، ايها الطائر الصادح،

إذًا لكنتُ بسطتُ جناحيَّ، وانطلقتُ نحو الأعالي،

مبتعدًا عن عالم الشقاء، مقتربًا من كوكب الهناء.

آه!… إن روحي تحنُّ لتلك الدقيقة التي يُفكُّ فيها اسري

فأنطلق من عالم القيود والسدود،

إلى فردوس هناؤه أبديّ وفرحُه سرمديّ”.    

            أمّا القصيدة الثانية فشعرية، وعنوانها “الأمنية المر جوة”  (11/8/79). فاستمعْ – ايّها القارئ – إلى هذه الأنشودة، بل الجوهرة الفريدة، وقد اقترن فيها شجيُّ النغم بشجن النفس، وامتزجت فيها مرارةُ الشقاء بحلاوة الهناء، فإذا هي كعصارة الكرمة تلذعك وتمتعك، لكنها خمرة عصرتها كف أديبٍ عجيبٍ نقي من كرم رب قادرٍ قويّ:

“ليتني أُلقي براسي                 ثم أغفو وأنامْ

لِبروجِ السدمِ أعلو                 نابذًا كل الأنامْ

سئمت نفسي الدنايا               والبرايا واللئام

كلُّ ما فيها خسيسٌ               كلُّ من فيها طغام

ككلاب تتعاوى                               فوق أكوامِ العظام

ليس يُجديهم نصحٌ                 لا، ولا أيُّ كلام

بتُّ أرجو عالم الطهر –            فأحظى بالمُرامْ

 

 

لقد اختصر في هذه الابيات اللطيفة العنيفة العفيفة حقارة الدنيا، ودناءَة الناس، واقتتالهم على قيم تافهة باطلة يتشبثون بها، ويأسه من إصلاحهم، وسأمه من الحياة بينهم، وتوقه لمفارقتهم إلى علم الفردوس… كل ذلك ببساطة وإيجاز يُشارفان الإعجاز!

******

            وبين قصائده المنطوية على أحلامه الفردوسية السعيدة تنفرد “مدينة الرُّسُل والأنبياءط (12/4/74) بطابع مميز. فهي أشبه بنشيد من الوصف الملحمي الإلهي للعوالم العلوية اللانهائية وقدرة الخالق الكلية.

            فروح داهش العظيم كانت في رحلة كونيّة عجيبة!…

            فاجتاز ملايين الكواكب وبلايين النجوم، واخترق المجرّات الموغلة في أعماق السماوات، وأجتاز المتاهات واللانهايات، واطلع على الأسرار المدهشة العجيبة، والعوالم المُذهلة الغريبة، وتكشفت له مشاهدُ العظمة والجمال التي لا تمرُّ في بال ولا تخطر في خيال!… وبعد كل ذلكن وبعد ملايين الأعوام من رحلة اللانهاية، وصل إلى “مدينة الرُّسل والأنبياء”، وتبدى أمام ناظريه السيد المسيح والنبي محمد وموسى الكليم وجمهور من الهُداة والمُرسلين…

“وتكلم الأنبياءوكأنهم فمٌ  واحد ولسانٌ واحد قائلين لي:

“- أيها القادم إلينا من العالم الذي سبق أن أُوفدنا إليه.

إذا بلغتَ رسالتك مثلما يجب،

وتحملت الاضطهاد من أبناء الأرض، واتهموك بكل فرية كاذبة.

فإنكَ بعد انتهاء أيامكَ الأرضصية تبلغ هذا الكوكب الإلهي،

وتحيا معنا برعاية خالق الكائنات طُرًا”.|

 

            ذلك هو عزاء داهش العظيم من معاناته اضطهاد الطغاة وزبانيتهم العُتاة الجنُاة.  والحقيقة التي لم يعثر عليها في أرض الزُّناة، راح على أجنحة أحلامه يبحثُ عنها في فراديس السماوات، حيث لا ظُلام ولا ظُلُمات(14).

                                                ******

            لكن حتى الحلم لم ينجح دائمًا في بعث العزاء في نفسه، فكأن الحياة تأبى إلا أن تُذكره أنه ما يزال مكبلاً بقيود الأرض.

            ففي “آمالنا أوهام” (21/3/68) يُبحر نحو مدينة الأمل والسلام المرجوة، لكنه لا يبلغ الهدف المنشود.

            وفي “هناك دُفنت أمانيه” (19/10/71) يُنجي النوتي المحدق إلى الأفق اللانهائي، طالباً إليه أن يرحل به نحو المجهول، نحو مدينة بعيدة بعيدة، ولكنها سعيدة سعيدة.

            وجذَّف النوتيُّ وجذَّف، حتى أدرك عرض الخصمّ، فإذا العواصف تهيج عاتية، ويغرق الشاب، وتغرق معه أحلامُه…

            ” وإذا بحورية الماء تتمعن بوجه جثة طافية!”…

            تلك كانت رحلة داهش الخيالية الكبرى عبر أحلام السعادة الفردوسية. تُرى، كيف كانت رحلته في مسارح الطبيعة؟

——————————————-

  • أنظر “الحقيقة الإلهية” (5/4/78).

——————————————-

ب – رحلةُ الخيال في مسارح الطبيعة

            كثيرون هم الأدباء والشعراء العالميون الذين أولوا الطبيعة اهتماماً خاصًا في إنتاجهم، ولا سيما الرومنسيين منهم. ولكن الأدب العربي في جميع عصوره لم يعرف، بعد جبران خليل جبرانن أديبًا نفخ في الطبيعة روحًا حية، وجلى في التعاطف الوجداني معها، وتفوق في وصف مفاتنها السحرية، ودمجها بالحياة الإنسانية كالدكتور داهش.

            ورجلُ الروح أسند للطبيعة في كتاباته عدة أدوار، أبرزها ثلاثة:

            في الدور مظاهر الطبيعة يحمل معاني القوة والسمو والحركة المندفعة…

            يُصبح وسيلةً يستعين بها خيالُ المؤلف المُبْدع للابتعاد عن الدنيا الشقيّة الفاسدة وابحث عن العالم السعيدة الخالدة.

            فالسحاب يوحي ارتفاعُه عن الأرض بالرقيّ الروحي؛ وهو يجمع إلى العلوّ الحركة والتنائي عن عالم البشرن والإيغال في الفضاء البعيد.

            من أعالي الغيوم السابحة في أوقيانوسات الفضاء يُشاهد المؤلف بعين خياله:

            “كوكب الأرض نقطة هزيلة

            تدور حول نفسها في فراغ الفضاء اللامتناهي

            وهي تضمُّ في جوفها أبناءَ الأرض المساكين”.

كائنات غمرتْهم الأباطيل، وأغرقتهم المفاسد؛ فشقيُّ من عاشَ بينهمن وسعيدٌ من فرَّ منهم. ولذا يطلب داهش من الغيوم أن تحمله منطلقةً به نحو الأعالي، علَّه يبلغ جزيرة الأحلام الهانئة(15).

—————————————————

  • أنظر “أيتها الغيوم احمليني” (5/9/69)، و”على قمّة الغيوم” (20/1/75).

—————————————————

لكن العاصفة تبدو أكثر إشباعًا  لحاجات المؤلف الجبار النفسية، فهي تمثل الغضب المتفجر من ناحيةن والانتقال السريع الجبروتي من ناحية أخرى. إنها تتلبس سخط المُصلح الروحي العظيم على عالم البشر الموبوء، وارتحالها الحثيث عنهم. ولذا يطلب داهش منها أن تحمله وتصعد به إلى النعيم، وتُنقذه من جحيم الأرض وإنسانها الرجيم(1).

            والحركةُ السريعة في عناصر الطبيعة مقرونةً بالتصعيد… يمتدُّ معناها، في خياله، إلى المخترعات البشرية نفسها. فتُصبح الطائرة امتدادًا معنويصا للعاصفة أو للسحاب المندفع؛ وهكذا يتخذ الدكتور داهش من رحلته الجويّة ذريعةً لنشدان عالم سحري معزول عن خُبث البشر ومكرهم وغدرهم وشرّهم(17).

                                                            ************

            أما الدور الثاني الذي يُسنده المؤلف للطبيعة فهو دور الأنيسة الأليفة التي يهتّم رجل الروح بمصيرها وأحوالها اهتمامه بأصدقائه وأحبائه. ولعل أفضل ما يُعبر عن موقفه العاطفي الوجداني هذا القطع التالية التي تتناول الحيوان والنبات والجماد.

            القطعةُ الأولى يصف فيها “موت الجيز” (4/6/45) وصفًا مُثيرًا مُؤثرًا. نعم إنَّ الرجل الخارق العظيم لا يصف لنا موت رئيس كبير أو زعيم خطير، ويملأ مرثاته بالتأبين الكاذب والتدخيل الحقير، حسبما جرت العادة في معظم مراثي الأدب العربي، بل هو يصف موت حشرة هي في نظر الناس تافهة. لكن عينه الروحية البصيرة الخارقة تُبصر ما لا تراه عيونُهم، وتُدرك من القيم ما لا يدركون.

——————————————

  • أُنظر “احمليني لعالمكِ الخلاب” (17/1/71).
  • أُنظر “أيتها الطائرة أسرعي بي” (5/9/69)، وكذلك “اسرعي أيتها الطائرة أسرعي” (6/10/70).

——————————————

إسمعه يقول، بعد وصفه آلام احتضار الجيز، ودبيب الموت في جناحيه، ويديه، ورجليه، وزعنفتيه…:

“رششتُه بالماء فما أجداه نفعًا.

ونفختُ عليه برقة علي أبعثُ فيه الحياة،

فكنتُ كالنافخ في الرماد.

أمسكتُه بلطف ورقة، وجعلتُه ضمن وردة قانية اللون،

علَّ أريجها يُحييه، ولكنْ عبثًا كانت محاولتي المضحكة.

وما بلغت الساعة الواحدة بعد الظهر،

حتى انتهى امرهُ وتبدَّد عمرُه…

فحملتُه بخشوعٍ وورع، ووضعتُه ضمن علبة معدينة،

وأغلقتها عليه، فحنتْ عليه وحنت إليه.

إنها مثواه الاخير ورمسه البارد المظلم.

            وأنا، أنا البشريُّ المسكين،

أتمنى على الله العليّ العظيم

أن يُرسل  لي في اليوم الأخير

يدًا رفيقةً رقيقة

تغمض عيني المتعبتين من أتراح دنيا الفساد والشقاء

وتضعني في نعشي، ثم تذرف عليَّ دمعةً صادقة…”.

            فما أروعك، يا داهش، تعبيرًا، وما أعمقك تأثيرًا! وما أعظمكَ تواضعًا! وأية محبة غامرة شاملة للكائنات تُحيي قلبك العطوف الكبير الذي تُقدمه للناس خبز حياة فيطعنونه بحرابهم ذلك الطعنَ الحقير!

إنَّ مَنْ ينطق بهذه الآيات البيناتن ولو لم ينطق بغيرها طيلةَ حياته، لجديرٌ بأن يرفع له كلُّ مؤمن بالقيم الإنسانية الحقة تمثالَ محبة في قلبه.

أما القطعة الثانية فموضوعها “الحسون السجين” (24/1/75). إنها مشاركة وجدانية في منتهى الجمال والرقة بين المؤلف والحسُّون ومظاهر الطبيعة المختلفة.

الحسّون سجين! … إذاً الطبيعةُ كلُّها في مأتم: الأزاهير على اختلاف أنواعها تنتحب، والأشجار تتعرَّى من كُسْوة أوراقها، والأطيار تصمت عن الصُّداح أو يُسمع لها نُواح، والفراش يهوي مُسجًّى، والأثمار تتهاوى من أغصانها منطرحة على الأرض، والماء يجفُّ في الغيطان، والكآبة تلفُّ المروج والجنان… هذا المأتم، بل هذه الفجيعة… إنما حدثت لأن الإنسان الشيطان سجن الحسون الصداح الفتان، ومنع تغريده من أن يصل إلى الطبيعة(18).

أما القطعة الثالثة فيصف فيها “موت الشقراء” (2/10/76). إنها ليست كاعبًا حسناء، ولا عروسًا هيفاء، بل هي هرة شقراء!… صدمتها سيارة فقضت عليها.

وإذا الحزن يستبدُّ بالمؤلفن وكأن إنسانًا عزيزًا عليه قد تُوفي! فيطلب إلى أحد تلاميذه المؤمنين أن يحفر للهرة حفرة ويُسجيها فيها، ثم يهيل التراب عليها.

واسمعْ، يا صاح، هذا الإنسان العظيمن وهو يختم قصيدته النثرية المؤسية قائلاً:

            “ووضعتُ على قبر هذه القطعة زهرة،

            وسقطت من عيني، حزنًا على موتها، عَبْرة”.

            أما القطعة الرابعة فهي أقرب أن تكون قصة في مشهدين: الأول “حديث بين زهرتين”، والثاني “وانتحبت الأزهار” (1/4/79)

            ولا يسع القارئ أن يفهم مرامي الدكتور داهش وابعاد كتاباته ما لم يحذف من ذهنه مفهوم الاستعارات والمجازات التقليدية. فالمؤلف، هنا،

——————————————–

(18) أنظر أيضًا “العصفور السجين” (5/2/75).

——————————————–

شأنه في جميع ما يكتب،لا يلجأ إلى الرموز التصويرية والنايات والتشابيه وأنواع المجاز، بُغية تزيين كتابته، والظهور بمظهر المجدد، حسبما يفعل جمهور الأدباءن فهذا الأمر لا يهمه على الإطلاق. فإذا نسب المؤلف إلى النبات وسائر مظاهر الطبيعة – حتى “الجامدة” منها حياةً وإدراكًا وانفعالاتٍ وعواطف وميولًا، فهذا ما يؤمن به ويدخل في صُلب عقيدته الداهشية.

والألوف الذين أُتيح لهم أن يُعاينوا أعمال داهش الخارقة سيكونون أقرب إلى فهم مغازيه واستيعاب مراميه؛ ومَنْ شهدوا الأشياء تدبُّ فيها الحياة، وتتحرك بقدرة الروح المتجلي على يديه… ودُهشوان لن يُدهشَهم أكثر أن يرفع الرجل العجيب الحجاب عن النبات وسائر الأشياء ليسمعها تتكلَّم وتتعاطف وتفرح وتتألَّم!…

إنه عالمٌ فذّ جديد كلَّ الجدَّة في الآداب العالمية، بل هو فتح مُبين من فتوحات المخيلة الخالقة مدعومةً بقوَّة الروح الخارقة.

أمَّا خلاصة هذه القصَّة العجيبة التي أُتيح لي أن أشهد وقائعها فهي أنّ! مجموعةً من الأزهار كانت موضوعة في أصيص على طاولة صغيرة في منزل الرسالة الداهشية حيث اجتمع عددٌ من الإخوة والأخوات، وراحوا يتحدثون بشتى الأمور، شاكين متذمرين من الحياة. وكانت الأزهار تستمع!…

وكان رجلُ الروح يستمتع!… ولكنْ بغير آذان البَشَر!

وإذا بإحدى الزهرات تحمدُالله على خلْقه إياهنَّ زهورًا لا بشرًا، إذ ليس لديهنّ ما يقض مضاجعهن… فغذاؤهنّ مُؤمَّن، وكلماتُ الإطراء والإعجاب بجمالهنّ وعطرهنّ تتكرَّر على مسامعهنَّ.

وحدثت المفاجأة!… لقد نهضتْ إحدى الأخوات واقتطفَت الزهرة المتكلّمة، وشبكتها بصدرها، واتجهت مع سائر الحاضرين لتناوُل العشاء. فأخذت الزهرة تُنادي قيقتها وتودّعها بلوعة بالغة. واستمدت من ضعفها قوة، وقفزت تُريد العودة إلى أصيصها، لكن أقدام السائرين سحقتها.

وكانت مناحة بين الأزهار! ورثتها إحداهن بكلماتٍ صادقة مؤثرة. وبعد العشاء، اقتربت زينا من الأصيص لتسقي تربته، كالعادة، فدهشتْ إذْ رأتها مبتلة!

وهنا يُعلق المؤلف المبدع بأسلوبه الممتع قائلاً:

“إنها دموع هذه الأزهار المنسكبة حزنًا

على ربيبتهنّ التي سحقتها الأقدام بقسوة ووحشية”(19)

وفي قطعته المعنونة “أيتها الصحراء الممتدة (5/2/71) ينبري يستنطق تلك البحار الرملية عن أسرارها وأحوالها القاسية، عن أسرارها وأحوالها القاسية، والفواجع التي وقعتْ فيها مدى الأجيال، ويسالها عن معاناتها في وحدتها الممضة، وهل هي جزاء أعمال ارتكبتها في غير هذا العالم؟

إنَّ مؤسس الداهشية لا يهتم لمظاهر الاشياء بقدر ما يهتم لجوهرها الحي المُدرك. ولذلك تراه في معظم أوصافه للطبيعة والعناصر المادّية، يفض غلافها الخارجي لينفذ إلى باطنها، مُحاولاً استكشاف حياتها الداخلية التي ضرَبَ الله بينها وبين عامّة الناس حجابًا لا يُخرَق.

يمتطي الدكتور داهش الطائرة، فتضطرب، ويشتد ارتجاجها من جراء الجيوب الهوائية التي تمر فيها. وهو يعلم ذلك كل العلم. لكنَّ خياله المبدع، وبصيرته الروحية النافذة يأبيان عليه هذا التفسير، فإذا به يلجأ إلى تعليل مدهش لظاهرة اضطرابها. فيروح يستنبشها سرَّها، مُسائلاً إياها إذا كان ارتجافها لاسترعاء نَظَر أليف لها أو لإبداء احتجاجٍ عن أمرٍ ساءها…

——————————————

(19)  أُنظر أيضًا “أصيص الأزهار وسلَّة القصب” (10/12/44)؛ “وأنار القمر بعد ظُلمته الدجوجية (1/4/76)؛ ففيها خيال خلاق، ونفاذ روحي خارق لبواطن الأشياء وحقائقها المحجوبة عن عامَّة البشر.

——————————————

لاجئًا إلى تخويفها مثلما أخافته، ثم إلى تهديدها، مُذكرًا إياها بأنها إذا هوت وحطمت الركاب فستتحطم هي أيضًا، فيكون مثلها مثل شمشون الجبار!(20)

إنها الأصالةُ بعينها تتجلى في الأدب، فتشعر أنك أمام نبع يتفجر من موهبة خلاقة تصوغ العالم صياغةً جديدة؛ وإنها الطرافةُ بذاتها تحتلُ ميادين الكتابة، فإذا هي جمالٌ عار من طلاءِ المساحقين، وتشويقٌ مجرد من زيف التزويق.

                                    **********

أمَّا الدور الثالث الذي يسندُه للطبيعة فهو جعلُها له الملاذَ الحميم الذي يرى فيه ظلًا للنعيم.

فالطبيعة بمفاتنها ونقائها وعظمتها هي الجسر الواصل بين عالم البشر الوضيع والعوالم العلوية. ولا عجب، فسيالاتُ الطبيعة الروحية المتمثلة بأشجارها وأزهارها، وبحارها وأنهارها، وشلالاتها وأطيارها – فضلاً عن الأبعاد الكونية وما يعمرها من كواكب ونجوم وسُدُم ومجرات – هي في نظر الدكتور داهش أرقى من سيالات عامة البشر. ولذلك تأنسُ روحُه بها، وتطمئنُ إليها، إذ يبتعد وهو بين أحضانها عن موبقات الناس ومفاسدهم.

وقد يكون لهذ السبب التجأ عظماءُ الشعراء والأُدباء إلى الطبيعة، وناجوها، وتعاطفوا معها، مدفوعين بحدسهم، بدون أن يكونوا واعين الحقائق الروحية مثلما وعاها مُؤسسُ الداهشية.

في إسطمبول يستغرق المؤلف في وصف مشاهد الطبيعة الفتانة، وهو يُشرف عليها من ذُرى “الجبل المقدس” (11/10/71). وتغمره النشوة، فينتظر هبوط الاروبيم ليصحبوه إلى الفراديس الإلهية. فكأنما الطبيعة الساحرة البهية تُصبح مدخلاً إلى جنّات النعيم!

———————————————

  • أنظر “أيتها الطائرة المترتجفة” (5/2/71).

———————————————

وفي قصيدته النثرية “عصفور في غبضة” (9/2/72) يُناجي الصداح قائلاً:

“دعني أحلق بواسطة أغاريدك القدسية

حتى أبلغ جنة الجنات وفردوس الفراديس الإلهية”.

وتشعر بالسحر يتجسَّم كلمات هفهافة مُجنحة، وصُورًا متاقة مرنحة بما يصفه في “نزهة بحرية في الجُزُر الفنلندية” (16/6/72).

وفي ضواحي أوسلو بالنروج تنبسط الطبيعةُ الخلابة أمام ناظريه وكأنها فلذة هابطة من الفردويس حتى ليسأل في عنوان القطعة: “أحلم أم يقظة؟” (21/6/72).

أجل، أتكون في حُلمٍ أم يقظة، وناظراكَ يسرحان في حقل الورود الرائع، ويعومان مع الإوزّ في البحيرة المذهلة، ويُواكبان الطيور المائية وهي تُرفرف فوق سطحها الحالم؟!

وإنك لتسيحُ مع المؤلف المُبدِع في غابات الشربين، وتنتشي بالنسيم وهو يُداعب الأزهار، وتثمل من دغدغاته الطليفة؛ وتتملى، بنظر مفتون، مشاهد الأبقار والأنعام الراتعة في مراعيها، وألقَ الشمس وهي تُرسل أنوارها العسجديّة، وحركة الأسماك المذهبة، ولازَوَرْدَ السماء، والفلوك المتهادية على الصفحة الزرقاء الساجية!…

ثم أنْصِتْ إلى المؤلف وهو يُنهى قطعته-  مثلما بدأها – بمناجاته رفيقة أيّامه وسميرة أعوامه:

“ها هو المساء قد ابتدأ بالمسير…

فلأ رقُدْ تحت شجرة الكرز المُزهرة، يا معبودتي،

وأتوسَّد صدرَكِ الشهي،

وإذْ ذاك أغرقُ في نومٍ أبدي”.

وفي قطعة “أيها القمر” (1/9/74) يتخذ  وصف البدر وسيلةً لتذكر الحبيبة الفتانة التي يتخيل أنه توسد صدرها، وراح يحلم أنه ارتقى برفقتها إلى بروج السماء، إلى موطنه البعيد السعيد.

        وفي “جمال الغاب” (21/1/75) يتحوَّل الغاب الجميل بأعشابه وأزهاره وأغاريد طيوره وفراشه ونسيمه معبدًا يُسبح داهش فيه الله ويرفع إليه صلواته.

        واقرأ قصيدته النثرية، تلك العصماء اليتيمة المسمّاة “الوردة الجورية”(21)، وقل لين بربك، هل أنت أمام وصف وردة بهية أم حورية سماوية؟! فقد اندمجت الطبيعةُ بالإنسان اندماجًا سحريصا يجعلك كالهائم الولهان والمترنح السكران!

“أيتها الوردةُ العجيبة! إن وجهك الضاحك هو الجمالُ المتجسد، وعبيرك الناعم المنعش هو روحك الشفافة،

ولغتك، يا وردتي الجورية، هي الشعر المنمق!

إن يد الله هي التي كونت رداءك السماوي!

والنسيم الشفاف يطربه قربك،

لهذا ترينه أبدًا يترنح أمام معبد جمالك المذهل للعقول…”

            فالحياة  والموت، والأفراح والأتراح، والحب والجمال، والأرض والفردوس، والشموس والأقمار، والسدم والمجرات وعوالم الأنوار… جميعها تتضافر لتُبرز جمال مليكة الأزهار!

            ذلك هو الشاعر المبدع، يجمع الدهر في ثانية، والكون في وردة قانية، ويسقيك خمرةً بكرًا فتنتشي وتباركُ الدالية!

—————————————–

  • تجدها في صدر الأجزاء العشرة من “حدائق الآلهة”.

————————————

ج – سياحةُ الخيال في أولمب الفاتنات المؤمنات

نعم، هو أولمب من الفاتنات يتربع الدكتور داهش على عرشه. ولم يعرف التاريخ أديبًا أحاطته قلوبُ العذارى، وطوقته أشواقُ النساء، وعانقته أحلام الغيد الصيد، فبادل إعجابهن بشخه الفذ بتعزله بهن وإطرائه لمحاسنهن وفضائلهنّ… كمؤسس الداهشية.

            لكن هذا الموقف الإعجابي المتبادل بين داهش وفاتناته نكاد لا نرى مثيلاً له في التاريخ. وذلك يعود إلى أنه مؤسس عقيدة روحية، وفاتناته هن تلميذاته المؤمنات به.

            ولعلَّ مثل سُليمان الحكيم هو الأقرب إليه، مع فارق هو أنَّ ذلك النبي الكريم ترك لنا نشيدًا واحدًا ناجى فيه ملكة سَبأ، المرأة الأثيرة لديه، بينما ترك لنا داهش الحكيم “نشيد أنشاد” مُبدعًا جديدًا، وزاد عليه مئات القصائد النثرية الرائعة في عشرات المفتونات به، والمؤمنات بعقيدته.

            وعلى هذا الضوء يجب أن نفهم غزليّات الدكتور داهش. فليست المرأة بانفعالاتها الحسية ورغباتها الجسدية هي التي تستميل قلبه في هذه المئات من القطع الوجدانية التي تعمر بها الأجزاء العشرون من “حدائق الآلهة” و”فراديس الإلهات”، بل هي المرأة التي يكون جمالها الخارجي إشعاعًا لجمال نفسها وسمو سيالاتها، إنها المرأة الداهشية التي هي له حبيبة روحية، يُطري جمالها بقدر ما يشكل إطراؤه لها سياجًا يقيها العثرات، ويصونها ضمن أسوار الحديقة الروحية، فتكون فيها وردةً مباركةً يفوح طيُبها المقدس، لا زهرة ي متناول كل يد… تقطف لتُشم ثم لتطرح تحت أقدام كل عابر سبيل.

            هذه المرأة الفاتنة المؤمنة – التي هي ثمرة في دوحة رجل الروح، وعنقود في داليته – هي التي يتجه إليها خيالُه الشعري، ويتخذ منها كوة من كوى الأمل والعزاء والسعادة في هذه الأرض الشقية.

            أما الفاسقات من النساء فرأيُه فيهنّ بات معروفًا؛ وهنّ – للأسف الشديد – الأكثرية الساحقة في هذه الأرض الموبوءة.

            ولا شك بأن بين مئات القصائد الغزلية النثرية مجموعة ليست كبيرة كتبها لأسباب شخصية معينة، بينها إلحاح بعضهن ممن كُنَّ يترددن عليه ليكتب فيهن شيئًا؛ وقد أُتيح لي أن أتعرف إلى معظمهن في خلال زياراتي أو ملازمتي له التي امتدت على سبعة عشر عامًا حتى تاريخ كتابة هذا البحث؛ ومنها أن المغالاة في الإطراء قد تفتح العين العمياء فتُبصر سيئاتها التي يعميها الغرور عن رؤيتها، عادةً، إلى غير ذلك من الأسباب… فإذا استثنينا هذا العدد الذي ليس كبيرًا من غزلياته، فإن سائر كتاباته في المرأة نراها تتصف بثلاث ميزات بارزة هي:

  • عمق الحبّ وصدقه.
  • وروحانيته.
  • والأسلوب الرائع المبتكر.

الميزة الأولى: عمق حبّة وصدقه

 

            مَنْ أُتيح له أن يتعرف إلى داهش الفادي لأحبائه، وحامل الآلام عنهم، رجالاً ونساءً، لن يستغرب عاطفته العميقة الصادقة نحو تلميذاته الحسناوات.

            وهذه العاطفة تتمثل بشتى الوجوه ومختلف الوسائل البيانية. فإنك لتلمسها في وصف حالته النفسية الحزينة لدى بُعاد المحبوبة عنه(22)، أو

———————————————–

  • كما الحال في قطعة “حبكِ سرى في روحي” (27/6/74).

——————————————

ابتعاده الاضطراري عنها. وهذا الموقف الأخير أروع ما يتجلى في قطعته “إلى نجوى وصباح” (4/3/76). ففيها تختلط، بصورة بديعة فريدة، نقمتُه على البلاد التي اضطهدته وشردته… بعاطفة الحب الصادق الذي يمحضه تلميذاته المؤمنات الفاتنات.

            إنه على أهبة السفر إلى أمريكا… ولن يذكر بيروت التي عاقبها الله بحرب مدمرة مفجعة بسبب اضطهادها له ومحاربتها لرسالته… لا، لن يذكرها إلا لأن نجوى وصباح الشقيقتين المؤمنتين فيها. ما أعمق هذه العاطفة! وما أصدق هذا الموقف! الشعبُ كله في كفة بميزان محبته، والتلميذة المؤمنة في كفة أخرى هي الراجحة. إن هذه القطعة كانت آخر ما كتبَه رجل الروح الكبير، قبل رحيله عن لبنان – المنكوب بأهله – إلى الولايات المتحدة.

            كذلك تلمس عمق محبته في تمنّيه الاندماج بأيّ شيء يُلازم المحبوبة، أو يخصّها، أو يُقاربها، حتى يبقى لصيقًا بها.

            ففي “ربة ربات الحسن والمفاتن” (1945) يتمنى لو كان سمكةً ذهبية، أو طائرًا صدّاحًا، أو نسيما شفافًا ليلقاها.

            وتراه يحسد مفاتيح فاتنته، لأن أجمل امرأة تمتكلها، ويطلب من العزة الألهية أن تدعه يتقمص في دوره القادم مفتاحًا صغيرًا يكون مُلكًا لمالكه لبّه وسالبة قلبه(23).

            ثم انظر إلى أمنياته اللطيفة هذه:

  • “آه! ليتني شعرة فاتنة من شعرك العجيب الجمال!(24)
  • ليتني كنتُ النسيم الذي يمرُّ بقربكِ ليُعلنَ حبه لكِ.

ليتني كنتُ الحلم الذي يُراودكِ في ساعات رقادِك الهنيء.

آهّ وليتني كنتُ الدم الذي يسري في عروقكِ أيتها الحبيبة الحبيبة!…”(25)

  • ليتني قفلة مضوعة لانطرح أرضًا حيث تمرين،
  • فكلُّ خطوة تخطينها ينبت لي أشقاء ليقبلوا نعليك”(26).

وقد تتخذ تمنياته أسلوب الطلب المباشر إلى الحبيبة أن تُحوله لأية حلية تزين بها نفسها، كأنما إعجابُه بها يهبُها قدرة الخلق وتحويل الأشياء والعناصر:

” اجعليني سوارًا حول معصمك الغصّ،

أو صوغيني خاتمًا وضعيه في خنصركِ البضّ،

أو أحيليني لحلية تزين صدركِ المُذهِل بمفاتنه الإلهية”(27).

أما لو أُتيح له أن يكون وردةً تغرسها في شعرها الفاتن، إذًا لكانت نشوتُه تتفوق على نشوة سُكان جنات النعيم!

وقد يبدو عمقُ حبّه في تصميمه على تحطيم جميع العقبات ومحاربته كل القوى البطاشة التي تُريد إبعاده عن محبوبته، مستخدمًا مختلف الوسائل، ومغتنمًا متنوع الفُرصَ لإظهار صدق تعلقه بها.

إمَّا إذا سألتَ المؤلف العاشق: “ولِمَ هذا الحبُّ العظيم؟” فإنك تعرف جوابه من ختام قصيدته الرائعة “أنا لكِ وأنتِ لي” (17/3/76)، إذْ يقول:

“فأنا وأنتِ كنا معًا قبل أن تخلقَ الأيام!

وحبي لكِ لن تضعفه الشهورُ والأعوام!

فأنتِ لي الهواءُ والسماء!

——————————————

(25) “ليتني الحلمُ يراودكِ” (17/1/75).

(26)” أنوثتك رنحتني” (4/10/79).

(27)” ليتني وردة تزين شعرك الفاتن” (23/3/76).

—————————————-

وأنتِ لي الألفُ والياء!

إذ إنكِ أنا، وأنا إنت!”

            ومن يفهم معاني تقارب السيالات وتماثلها وتجزُّئها بوسعه أن يُدرك مرامي المؤلف ومقاصده.

            وثمة مظهرٌ آخر لعمق حبه نلمسُه في توهَج عاطفته توهجًا يجعله يرى الحبيبة متحدةً بكل منظر جميل، ومندمجة بكل مظهرٍ مهيب في الطبيعة.

إنه ذروة الحب المتيم. إسمعه يقول في “أمنيتي المرجاة… هل تتحقق الأحلام؟ (20/6/78):

“أراكِ في تألق النجوم النيرة!

أراكِ في الزنبقة المختالة في المروج الخضراء!

أراكِ في هيمنة النسيم المنعش!…

أراكِ في كل ما كونه الله وأوجدته أرادته الإلهية”.

 

            وما أروع موقفه وأعمق تأثيره في “يومه الأخير” (4/8/76)، إذْ يصف رهبة الموت، مازجًا إياها بعواطف الحب الخالدة. ففي اللحظة الفاجعة الأخيرة عندما سيُوسَّد رمسه البارد، سيتأكد لمحبوبته شدّة سأمه وضناه من الحياة، لكثرة ما كان ينشد راحةَ الموت أمامها، وإذا ذاك ستتجلى لها الحقيقة الساطعة، حقيقة صدق حبّه الخالد.

 

يقول: خاتمًا هذه الرائعة:

“وستنحدرُ الدموعُ من عينيكِ النجلاوين لهذه الذكريات المؤلمة.

ولكن دموعكِ السخية الغالية لن تعيدني إلى الحياة الدنيا،

لأنني أكون قد خلعتُ ردائي المادي، وتسربلتُ ببردتي الروحية.

وإذ ذاك ستتأكدين بأن حبي لكِ كان أبديًا”.

الميزة الثانية: روحانيَّة حبّه

 

            هذه الروحانية متجلية في العشرات من غزليّات الكتاب، ومُضيئة من خلال معانيها ومبانيها.

            ففي قصيدته “نجوى وصباح” (21/2/76) يتمنى رجلث الروح لو يختطفهما لفتنتهما الساحرة. ولكن إلى أين؟!… إلى الأعالي… إلى الأبعاد الكونية القصية، النائية عن شقاء البشر وحسدهم وشرهم وأحقادهم… إلى أبهى نجمة بين النجوم. وهنالك في موطن السعادة الأبدية تحتفي الحورياتُ بقدومهما، ويُسعَد الكوكب بلقائهما، وينتشي الحبيب بهواهما.

            وفي قطعته الرائعة “واندمجا بالنيرفانا” (31/1/77) يحيط المؤلف الحب بإطارٍ طبيعي يسمو بالنفس عن الشهوات الجسدية، ويجعل لها معنى أثيريًا شفافًا لا تشوبُه أيّة كثافة مادية.

            فالحبيبة… ترحبُ الأزاهير بمقدمها، وتناديها لتقتطفها فتنعم بلمس بديها، أو تتهافت منطرحة عند قدميها! وتُلحّ بأجمعها على أن تصوغ الغادة الفاتنة من أصنافها كلها إكليلاً تضعه على رأسها المذهل بروعته، اعترافاً من الأزهار بها مليكةً عليهن. وما أن تبلغ الحسناء ضفة البحيرة الخلابة حتى تنضم أزهار اللينوفر فتؤلف قاربًا سحريصا تعتليه الفاتنة فيخترق بها البحيرة، وتواكبها الأطيارُ والفراش… وما أن تنتهي إلى اغلضفة الأخرى حتى يلقاها حبيبها ويضمها إلى صدره ويقبلها…

“وإذا بهما يحلقان في فراديس ألهية علوية

لا تمت بصلة العالم المادية بشيء.

لقد بلغا النرفانا،

وهذه غايتهما القصوى”.

وفي “ظبية القردوس” (17/5/78) يخاطب محبوبته قائلاً:

“هناك، وراء السدم العجيبة ذات الأضواء الإلهية الخلابة،

دعيني أتملّي وجهكِ الذي يُزري بالبدر المنير

التائه في كبد السماء اللانهائية،

دعيني، دعيني يا أرق غادة,

أن أتوسد صدرك المثقل بالإكسير الإلهي”.

            فانظر إلى المؤلف المبدع كيف يلاشي الشهوة بابتعاده عن الأرض وتصعيده إلى الملإ الإلهي!

            والدكتور داهش إذا لم يرق بخيالنا إلى النعيم من خلال الأوصاف الفردوسية التي يخلعها على غادته أو على المحيط الذي يلتقيان فيه، فإنه يشعرنا بأن محبوبة هابطة من الملإ العلوي، وأن البيئة التي يتم فيها لقاؤهما ليست سوى فلذة من النعيم في كوكب الشقاء.

فتأمل واعجبْ لهذا المنزل الذي يتمنى داهش أن يبنيه لمن يُحبها:

“جدرانه من الورود المخملية

ونوافذ من القرنفل الموشح

وروافدهُ من زهر البابونيا العجيب.

وأعمدته من البنفسج الفتان.

وزوارياه من زهر الأضاليا الريان

وسقفه من اللوتس المقدس….)28)

 

تُرى، هل هو مسكن في الأرض، أم في “الفردوس الأرضي” وأيم الحقّ، إنه ل

ليَصعب تصوره قائماً حتى في جنة عدن!ّ ولذا فليس عجيبًا أن يختم المؤلف قصيدته هذه بقوله:

———————————————-

(28) في قصيدة نثرية عنوانها:” (؟) تاريخ 26/7/76).

———————————————–

“إن أنت إلا فراشة رائعة الفتنة.

هبطتْ من جنة النعيم المقيم،

لتشعرنا بالسعادة المفقودة في عالمنا،

عالم التعاسة والشقاء”.

                وقد يلجأ أحيانًا إلى تشابيه رائعة فيها مفاضلة بين محاسن الحبيبة ومعالم

ومظاهر من الطبيعة والعمران أصبحتْ بايحائها المقدس وسمو معانيها، وجلال مغازيها تملأ الأذان. أسمْعَه يُخاطب فاتنته، وكأنما تقمَّص روح النبي سليمان:

                “فيا أفتن من أورشليم العظيمة!

            ويا أروع من قيدار المهيبة!

            ويا أمنع من جبل حرمون الشامخ الذُّرى!

            ويا أرفع مقامًا من علّية صهيون المقدسة!..”(29)

            هذا الاتجاه الروحاني في موقف المؤلف  من المرأة الداهشية يشتدُ بروزًا، معززًا بالصدق، عندما يتغنى بفضائلها النفسية والأدبية والمعنوية.

            فهو يشيد ببطولة ماري حداد وتضحياتها وجودة أدبها وفنها(30)، وبطهارة ماجدا الحمامة الذبيحة وشهيدة الداهشية الأولى (31)،  وبعفة زينا وزهدها وأمانتها وجهادها(32)، وبنبالة فوته(33)، وبنقاء نجوى وصفاء روحها، وروعة أدبها وشمول ثقافتها، وجهادها، وغمرها بالبركة والعناية الروحية(34).

————————————————————

(29) “ارحمي دموعي” (19/8/76).

(30) انظر “ماري حداد هذه المجاهدة المضطهدة” (10/5/78).

(31) أنظر “سأبحي عنك في الأرض والسماء” (13/1/74).

(32) أنظر “إلى المجاهدة زينا حداد بمناسبة عيد مولدها الـ 53” (22/2/75)؛ “في أيام المسيح” (22/2/76)؛ “زينا المزدانة بفضائلها” (3/1/78).

(33) أنظر “امرأة فاضللاة من يجدها ثمنها يفوق اللآلئ” (26/10/76).

(34) انظر “حديقة النجوى” (22/4/79)؛ “غازي ونجوى” (13/12/79)؛ “نجوى العزيزة” (23/12/79).

———————————————

أخيرًا، ربَّ سائل: أوليس بين أولئك الفاتنات اللواتي يعددن بالعشرات من استأثرت بقلب داهش واجتذبته إلى الإغراءات الحسية والشهوات الدنيوية؟

            الجواب يعطيه مؤسسُ الداهشية في قطعته “ظنُّك خائب” (10/3/72):

“أنا مدنف حقًا… ولكن ليس بالكواعب…”

إنه متيم بالطبيعة الرائعة، ومظاهرها الساحرة الممتعة، بالجمال الذي خلقته يد القدرة المبدعة، وليس بالمرأة المخادعة!… ولكن، أليس جمال الطبيعة الساحر ملمحًا من ملامح جمال الحقيقة الإلهية؟ يقول:

“وإذا توهمت بأنني أتمنى قبلةً من ثغركِ الفاتن

فظنك باطل، وتوهمُك فاشل.

فأنا مفتونٌ بالحقيقة وليس بالباطل”.

الميزة الثالثة: الأسلوب الرائع المبتكر

 

            لئن امتازت قصائد داهش النثرية في تلميذاته بصدقها وعُمْق حبها وسمو روحانيتها، منزلةً، هكذا، صفعةً مُزلزِلة على وجه كل غزل حاذب العواطف، فاسق المواقف، فإنها تمتاز، أيضًا، بأسلوبها الرائع المبتكر المبدع. ولن يسعني، في هذا البحث السريع، أن أتناول جميع الخصائص الأسلوبية المتمثلة في غزلياته، ولذا أقتصر على عرض بضع ميزاتٍ بارزة.

أولاً – المقارنة أو المماثلة بين حالات النفس وصفات الإنسان وحالات الطبيعة ومحاسنها.

            إن التفاعل بين الطبيعة والإنسان عرفه الأدبُ الرومنسي بأجلى صورة. ومظاهرُ في غزليات الدكتور داهش لا تقلُّ روعةً عنها في إنتاج الأدباء العالميين. وسبق أن ألمعتُ إلى أن المشاركة الوجدانية التي يُقيمها مؤسسُ الداهشية بين الإنسان والطبيعة لا تقتصر على نفاذ في الحدس الفني يخترق قشور الأشياء إلى جواهرها، كما الحال عند كبار الشعراء، بل يتعدى ذلك إلى الإيمان بالطاقة الحية المدركة في جميع عناصر الطبيعة، وبالتالي إلى المشاركة العاطفية الحية بينها وبين الإنسان.

يقول في قصيدته “إلى ماجدا” (13/12/42):

“هل ترين النسيم العابث بمختلف الأزهار النضرة؟

إنه يمثل تنهدات قلبك الرقيق!

أتختلسين النظر إلى قُرص الشمس المتوهج بالنور الإلهي؟

إنه إشراقُ وهجكِ السماوي الأخاذ!… 

 

وفي “صلاة عاشق مُتيم” (1945)، يدمج حالات الطبيعة الغاضبة ومظاهرها الكئيبة بحالات نفسه:

 

“أتسمعين وقع هذه الأمطار الساقطة؟

  • إنها دموع قلبي وخلاصة ما تجود به روحي.

عندما أفكر بأنك ستغادرينني…

  • أتشاهدين السحب التي تملأ رحاب هذا الكون الفسيح؟

إنها غيوم نفسي المتلبدة

لعلمي أنك لا تحبينني بمقدار حبي لك”.

 

      إن مذهب “التقمص الوجداني” الفني الذي راج في ألمانيا حول تفسير المشاركة الوجدانية والاتصال التعاطفي بين الإنسان والطبيعة يجد له أفضل تطبيق في أدب الدكتور داهش وأصح تعليل في مفاهيم الداهشية التي تؤكد وحدة الجوهر الروحي الحي في الموجودات كلها(35).

                                                                        ****

ثانيًا: – إنفعال الطبيعة بجمال المحبوبة أو تأثُّرها بعاطفة الحب!

هذه الخاصة امتدادٌ للأولى بمدلولاتها الوجدانية، ولكنها مستقلة بأسلوبها البياني. وقد تصرف خيالُ المؤلف باستخدامها تصرُّفًا رائعًا.

      ففي قطعة عنوانها “وتضرجت بالأحمر القاني” (24/7/72) يجعل المحبوبة تمد يدها إلى فلفلة خضراء لتقدمها له. وإذا الحياء يضرج الفلفلة بالأحمر القاني، فتزهو خيلاء على أترابها الخضر. ويعلق المؤلف قائلاً:

حتى عالم الخضرة أصبح أسيرصا لهذه الغادة  السماوية!”

إنها معجزة خيالية تكاد تُعادل بروعتها معجزات داهش الحقيقية!

وفي قصيجته النثرية “سأكتبُ اسمكِ” (18/6/74)، يجعل اسمها مفتاح الحياة وسر العافية والغبطة والسعادة. حيثما يرسمه تتغير الأشياء وتزدد إبداعًا وإشراقاً، ويهيمن عليها السلام والبركة والبهجة والسحر.

وانظر إلى خياله العملاق الخلاق كيف يُبدع من تأثير اسمها هذه الصورة الكونية الشديدة الإيحادء:

“وسأعلقُه في متاهات المجرة الجبارة،

لتُشاهده بلايين نجومها السابحة في أفلاكها منذ الأزل،

فيزداد بريقها بريقًا، وإشعاعها إشعاعًا لا مثيل له”.

—————————————–

(35) إن مذهب “التقمص الوجداني” (Elnfuhlung) صاغ نظريته فيشر F.T.Vischer (1807- 1887) ثم تبنّاه وبسط البحث فيه الفيلسوف الألماني تيودور ليبس Th.Lipps (1851 – 1914). وقد تناوله بالبحث في فرنسا فكتور باش V.BASH (1863 – 1944). ولكن لا أحد من العلماء والفلاسفة استطاع أن يعطيه التعليل الحقيقي الروحي مثلما أعطته الداهشية. لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع انظر غازي براكس: جبران خليل جبران، دار النسر المحلق، بيروت، 1973، ص 536 – 537.

—————————————————–

وفي رائعته “حبك أبدي أزلي” (12/3/78) يجعل الكون كله يرتعش بفرحة عظمى حالما منحته فاتنته حبها الخالد. فإذا الأقمار والشموس والمجرات والسدم وسكان السماوات جميعًا يشاركون في غبطة تبليغ النبأ، وكل حسب طريقته: أمواج البحار تُبلغ سكان الأعماق، والزلازل تُنبئ سكان اليابسة… والنشوة تغمر المخلوقات طرًّا!

      فبورك هذا الفن الذي يجعل الحب الروحي يجترح المعجزات، ويبعث في الكون رعشةً تدفع أجزاءه إلى مزيد من التقارب والالتحام، وإلى أخصاب الحياة!

                                                      ****

ثالثاً – الأسطورة الميثولوجية والموضوع الخارق العجيب.

تكاد الأسطورة الميثولوجية تؤلف جزءًا لا يتجزأ من خيال الدكتور داهش، فكأن الأولمب وأربابه ورباته، وعرائسه وحورياته، طوع بنانه ورهن إشاراته!

      فكيوبيد إله الحب، تارةً، نشهدُه يُطلق سهمًا ذهبيًا فيُسعّر نار الغرام،

وطورًا سهمًا رصاصيًّا فيؤجج لظى الحقد والانتقام، وقد ينتحر هو نفسه لفشله في استمالة قلب من افتتن بها من غادات الداهشية.

      “لقد مات إلهُ الحب! فيا لشقاء المحبين في كُرتنا الأرضية!”

      تلك كانت خاتمة المأساة التي انتحر بها كيوبيد، بعد أن عجز عن امتلاك حب إحدى الغيد الصيد التي احتفت بها شتى أنواع الأزاهير(26).

      وأفروديت وفينوس وعشتروت وحيرا… كم وكم من المرات يظهرنَ في قصائده منافساتٍ حاسدات أو ممثلات مبتهجات لحبيبات داهش الفاتنات!

———————————————-

(36) أنظر “غلى كلير” (1/8/72).

————————————————

وأورفيوس صاحب القيثارة الخالدة المطوعة للضواري طالما شارك في أعراس العاشقين، وأشاع البهجة في نفوس الراقصين!

وجبابرةُ الأساطير تبرزُ أحيانًا برهبوتها وجبروتها لتحرس الحبيبة، طائفةً حواليها، لتسحق من يتجرأ على اختلاس رنوة إليها!

      و”ابنة ملك الجن” (24/7/72)(37) تترصَّدُ الرجل الخارق تحت نافذة منزله، مترقبةً الفرصة السانحة التي منحتها الاقدارُ لها بالتجسُّد أمام عينيه، بعد أن تبلغ الأشياء التي يُلقيها إليها العشرين عدًا.

      وتحين اللحظةُ الحاسمة حينما تجلس قرب النافذة كاعبٌ حسناء، وتنقضُ يدها، فإذا بابنة ملك الجن تلتقط الإشعاع المُلقى إليها من يد الفاتنة، ويصبح بمقدورها أن تتجسد لحبيبها المدهش. لكن محاولات إغرائها العجيبة له باءت بالفشل!

      عالمُ الأساطير الميثولوجية هو عالم داهش الخاص. تشعر وأنتَ تتحرك فيه كأنه من خلق خياله الجبار منذ أن تعاقب الليلُ والنهار!

      فكثيرةٌ هي مؤلفاتُه التي حفلتْ بالآلهة والإلهات، وعرائس الغاب، وصبايا الأنهار والبحيرات، إلى ما هنالك من حوريات مُذهلات! تجد ذلك ليس في أجزاء “حدائق الآلهة” و”فراديس الإلهات” بأجزائهما العشرين، فحسب، بل أيضًا في “ضجعة الموت”، و”عشتروت وأدونيسي” و”الإلهات الست”، والكثير من خلائق خيال داهش الكوني الأبعاد والآفاق.

      أما الموضوعات الخارقة العجيبة فهي من معجزات خياله مثلما هي من عجائب يديه! وكم من سياحة طريفة كانت له بعوالمها المدهشة في “قصصه الغريبة وأساطيره العجيبة” ذات الأجزاء الثلاثة.

———————————————

(37) أنظر أيضًا القطعة المتممة لها، وعنوانها: “وانطلق السيال منها” (10/8/72).

———————————————

والقطع الوجدانية ذات الموضوعات الخارقة يغلب عليها الطابع القصصي:

“فعنزة النبي” (7/5/72) قصة عنزة كانت في مراعي النبي سليمان، وبعد ثلاثة آلاف سنة تقمصت غادةً داهشية.

      وقطعة “أنت أملي ومُناي يا هُداي” (2/9/74) تروي حكاية حسناء داهشية كانت ترتع في عالم بهي. وإذ سبقها فتاها إلى الأرض رسولاً للعناية الإلهية، أظلم عالمُها الفاتن في عينيها… وأخيرًا أذنت المشيئة الربانية بأن تلتحق بفتاها، فتجسدت في الأرض بولادتها من أم داهشية… ولكن يوم تعرف حبيبها الإلهي إليها، كان في العقد السادس من عمره بينما كانت هي في السابعة!

      وفي “الأميرة الفاتنة” (30/1/75) يُشبه حسناءَه بشجرة مثمرة يقتطف من ثمارها الشهية، ثم يرقد تحت أغصانها الفينانة، وإذ يستيقظ يرى الشجرة الغبياء قد استحالت لغادة فتانة تبادله عواطف الحب.

      وفي قطعة “افتديتُ حياتك بحياتي” (27/6/76) يروي قصة حبيبين تاها في صحراء رمالُها محرقة وشمسُها مبيدة. وأخذت الحسناء تتلوى من لذع الشمس اللاهبة. وحاول حبيبها أن يقيها لظاها، فمانعته لتقيه بنفسها. أخيرصا، تغلب عليها بحنكته، ووقاها سعير الشمس المهلك: لكنها، مع ذلك، أُغمي عليها. وجثا حبيبها متضرعًا إلى الله أن يُحيله إلى أمطار تُبرد جحيم الصحراء.

      واستُجيبت صلاته. فأبرقت السماءُ وأرعدتْ وانهمرت الأمطار! واستعادت الحسناءُ وعيها، فالتفتت نحو حبيبها تُريد أن تطبع على ثغره قبلة الوفاء، لكنها كانت إنما تُمسك بالهواء! وفجأةً، سمعت صوته يناديها من الأعالي:

      “لقد افتديتُ حياتكِ، يا حياتي، بحياتي”.

هذه القطع ذات الموضوعات العجيبة الخارقة ذات صلة وجدانية حميمة بمؤلفها، لأنه بطلها جميعًا. ومن يُتح له الاطلاع على وقائع المعجزات الداهشية تُفاجئه مئات الأحداث الخارقة مما تأكدت حقيقته لدى الألوف، وكل منها يؤلف قصة عجيبة مستقلة! فحياة داهش وأعماله أغرب ملحمة حيَّة عرفها التاريخ!

                                                      ****

ولعل أكثر قطعة الغزلية اشتمالاً على خصائصه الأسلوبية المتنوعة عصاؤه الرائعة: “نجواي إني أناجيك” (24/4/72).

      فهي أشبه بنشيد ملحمي وجداني بطلة المؤلف نفسه، وبطلتُه تلميذتُه الأديبة المؤمنة المجاهدة: نجوى. ويتمثل سائر الأشخاص بالفراش والورود والظباء والطيور… كما بالآلهة والإلهات والحوريات. إذاًا هذا النشيد الملحمي ينطوي على العناصر الطبيعية والعناصر الميثولوجية العجيبة، ومسرحه الأرض والسماء.

      ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة مشاهد:

      يفتتح المشهد الأول باستهلالٍ طريف وفريد في قطعة الوجدانية:

      “ودوى صوتُ جهوديّ

      ملأ الأرجاء بدوية العجيب،

      سائلاً إياي:

      “هل لك أن تصف جمال نجوى؟”

      وجمت!…

      ثم استعدتُ وعيي وأجبتُ الصوت السماويّ…”

      وهنا يُحاول مؤسس الداهشية، بطريقة المفاضلة، أن يُبرز تفوُّق جمالها على البدر والشمس، وأزهار الجبل المقدس، وورود جنّة النعيم، وعذوبة الإكسيرن بل على جمال عشتروت وفينوس… ويسترسل في وصفه حتى يُقرَّن أخيرًا، بعجز قلمه عن تصوير مفاتنها.

      وإذا الصوت السماويّ يُسمَع مجددًا، وينبري بنفسه لإيضاح معاني جمالها وفضلها على سواها، فيقول:

“- إن نجوى هي ربة أرباب الأولمب

وفتنة الفردوس الخالد بمتعه الأبدية!

ودلالها اين منه دلال فينوس العجيبة الجمال؟!

إن كيوبيد إله الحب

يتمنى أن يجثو أمام محراب جمالها الذي لا يُقاوم!

فهنيئًا لك بها.

لأنك لو لم تستحقها

لما التقت بك، ولما التقيت بها”.

 

ويصمت الصوتُ السماويَّ.

في المشهد الثاني يهرع رجلُ الروح الخارق إلى فاتنته المغناج، ويبثها لواعج هواه، ويُعلنها استعداده لافتدائها بنفسه، واحتقاره الدنيا ومن فيها من أجلها، وافتتانه بها، وفعل جمالها العجيب نفسه!…

      أما هي فُتجيبه باختصار، إمعانًا في الغنج والدلال، مردّدةً أن حالها كحاله، وموقفها كموقفه.

      في المشهد الثالث والأخيرة يتسع إطار المسرح تدريجيصا، منتقلاً من الأرض إلى السماء. ويبدأ بمنظر الفراش العجيب الألوان الذي يملأ الغابة المقدسة محومًا حول نجوى، مقبلاً يديها، متهالكًا على قدميها!… ثم تتفاوح الورود، وتحوم طيورُ الجنة، وتطفر الظباء راقصة!…

      وما تلبث دائرةُ الفرح والغبطة أن ترحُب، فتصبح مسرحًا كونيًّا. فإذا الآلهة والإلهات يشتركون في مهرجان الفرح والظفر. فينوس وحيرا وربرب من حوريات الفردوس يهبطن ليرقصن وينثرن الورود على نجوى… ثم يضعن إكليل الغار على رأسها.

      كلُّ ذلك وأورفيوس يغمر الفرحة الكونية العظمى ببهجة أنغامه.

      أما الخاتمة فتشهد فيها الحبيبين يحلقان إلى جنة النعيم المقيم حيث يمكثان إلى الأبد.

      حقًا إنها ليتيمة! لو طال فيها نفسُ المؤلف لكانت تحوَّلت إلى ملحمة فريدة للحب والجمال، إذ أبدع الخيالُ فيها إبداعًا عجيبًا، وتنوع الأداءُ البياني تنوعًا غريبًا! فمن السرد إلى الاستفهام والتعجب، إلى الحوار… إلى الحركة الكونية الواسعة التي تحشد عددًا كبيرًا من الكائنات الأرضية والإلهية!…

      يقول أرسطو في كتابه “فن الشعر”: “إن الشاعر يجب أن يكون صانع حكايات وخرافات أكثر منه صانع أشعار…”(38).

فإذا طبق هذا التحديد على الدكتور داهش لكان أعظم شاعرٍ عرفه التاريخ البشري، لأن معظم ما كتبه – حتى في وجدانياته – ينطوي على عناصر قصصية واقعية وميثولوجية يبدعها خياله الخلاق. وقلما يخلو مؤلف من مؤلفاته التي تُناهز المئة من هذا الفعل الإبداعي الذي يُعيد به صياغة أحداث الحياة في مجالها الطبيعي وفي مجالها الروحي أو الإلهي الخارق!

—————————————

(38) أرسطو طاليس: فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، 1973، ص 28.

ثالثًا – الرسالة الداهشية أو العروسُ الإلهية

 

     إنها المنفذ الثالث الذي يحمل الأمل والعزاء والسعادة للدكتور داهش، بعد الموت المنقذ، وبعد الخيال الذي يُقدّم إليه السلوى والجمال ورجاء الهناء عبر الحلم والطبيعة والمرأة المؤمنة.

      بل إن الرسالة الداهشية هي غاية غاياته في الأرض، والمحجة التي تتجه إليها مساعيه وقُواه، وتُعقد عليها آماله ورُؤاه.

      وقد تمثلت الداهشية في قطعة الوجدانية بصورتين: صورة العروس الإلهية الفاتنة، وصورة الشجرة المباركة.

      الأولى امتداد وتتويج لحركته الخيالية عبر المرأة المؤمنة الفاتنة. والثانية امتداد وتتويج أيضًا لحركته الخيالية عبر الطبيعة النقية التي رأى فيها ظلاً للنعيم.

      لقد سافر مؤسس الداهشية في 9 آذار 1976 إلى أمريكا، مخلفًا وراءه لبنان وقد حلت عليه لعنةُ الله حربًا قاهرة، تسحق عمرانه وتمحق سكانه.

      وفي اليوم التالي لهجرته كتب قطعته التاريخية “الرسالة الداهشية تُهاجر”.

      وإذا به يُشبهها بغادة رائعة الجمال، ويصف مفاتها وتأثيرها في الأشياء باسلوب مُدهش.

      لقد أشرقت على الأرض كما تشرق الشمس، ونادت الشعوب إليها مرغبة مرهبة، وأبدت محاسنها الإلهية للناس دونما تفريق بينهم، وهي تقول لهم:

      “أنا أجمل نساء الأرض”.

      وتبعها داهش بتبتُّل، وعشقها، بل يسوغ التأكيد أنه لم يعشق في الأرض غيرها، لأن حبه للسيالات الراقية في تلميذاته إنما هو حبه للرسالة الحية فيهن. فالسيالات المؤمنة النقية – سواء كانت في النساء أم في الرجال – هي جسدُ الداهشية وهيكلها الحي. ولذا قال الشاعر العاشق في الرجل الخارق:

 

      “أنا ما كنتُ عاشقًا سواها”.

      وفي “الديانة الداهشية” (3/3/77) يخلع على الرسالة الداهشية أروع الصفات التي كان ينفح تلميذاته المؤمنات بها. إنها تتوحد بهن، حتى تمحي وجوه فاتناته في سحر مفاتنها.

“وجهك أروعُ من وجوه فتيات الفراديس وحوريات جنات الخلد!

وعيناكِ دُرتان تتوهجان، فتبهران الأنظار بتألقهما العجيب!

وجبينُك جنةُ عدن حيثُ رتع آجم وحوّاء!ّ”

      ويسترسل في وصف مفاتنها المذهلة: شعرها، وفمها، وشفتيها، وأذنيها، وعنقها، وذراعيها، وأنفها، وأسنانها، وساقيها، وقوامها، ورأسها، وصدرها، ونهديها، وفتنتها العامة. وهو وصفٌ تفصيلي لم نلقه قط في تصوير حسناواته. وأغلبُ الظن أنه ما كان ليُسهب في وصفه التفصيلي لمحاسن عروسه الإلهية لو لم تكن حسناؤه معنويّة روحية.

      وتنثال تشابيهُه وصُوَرهُ انثيال نهرٍ يتدفق بالسحر والجمال.

فالمعالم المقدسة، أو المتشحة بذكريات العظمة أو المحاطة بهالات البركة والوحي، كلها تحتشد في موكب إثر موكب، وسائل تشبيه وتصوير في غاية اغلروعة، لإبراز فتنة هذه العروس السماوية: الرسالة الداهشية…

      فجنة عدن، والصليب المقدس، وجبل جلعاد، وجبل صهيون، وجبل الطور، وهيك سليمان، وخاتم النبي الحكيم، جميعها تتضافر مع حملايا، وكليمنجارو، والبرناس، وصنين، والأرز، وسينا، وأهرام مصر، وأبي الهول، وتتعاون مع الجواهر والورود والنسائم والحمائم واليمائم والبلابل والشحارير والأنوار… لتؤلف خطوطًا وتقاسيم شديدة الفتنة والإيحاء والتأثير في اللوحة التي يرسمها للغادة الروحية الفردية التي ستبقى أروع أحلامه وأبهى تصوراته ومثله الأعلى حتى يوم مماته.

      وليس عجيبصا إذا شبَّه مؤسسُ الداهشية رسالته بعروسٍ إلهيَّة! ألم تظهر ليوحنا الإنجيلي، منذ ألفي سنة، “آيةٌ عظيمة في السماء، امرأةٌ متسربلة بالشمس، والقمرُ تحت رجيلها، وعلى رأسها إكليلٌ من اثني عشر كوكبًا؟!

“رؤيا يوحنا، الاصحاح 1:12). ألم يقل المسيح في رؤيا يوحنا نفسها: “الروح والعروس يقولان تعال: ؟! (رؤيا يوحنا، الاصحاح 17:22).

أما الصورة الثانية اليت يرسمُها رجلُ الروح للداهشية فهي صورة الدوحة المقدسة المباركة التي يخاطبها قائلاً:

“فيا شجرتي المقدسة!

ظلليني بأغصانكِ الخضراء الغصة،

ودعيني ألتهم دومًا ثمراتكِ البضة،

وإذ ذاك تظللني السعادة”(39)

أجل، متى امتدت أغصان دوحة الهداية وشمخت باسقةً غبياء،

—————————————-

(39) “شجرة الهداية” (8/4/76)؛ انظر أيضاً (الشجرة المباركة” (10/4/76)؛ “والدة الهادي: (1/4/76).

—————————————-

وظللت الشعوب بالعدل والحب، بدون تمييز بين شرق وغرب، وأطعمت من ثماره االجائعين إلى البر والحقيقة، فقامت المعابد، ومجد الله فيها، فإذا ذاك يُرتلُ المؤمنون خاشعين:

(الله نورُ السماوات والأرض، مثلُ نوره كمشكاه فيها مصباحن المصباح في زجاجه، الزجاجةُ كأنها كوكبٌ دُرّي يوقدُ من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يُضيء ولو لم تمسه نار، نورٌ على نور، يهدي الله لنوره من يشاء) (سورة النور: 35).

            وإذْ ذاك، أيضًا، سيرنم مؤسسُ الداهشية، وتغمره السعادة( 40).

            وإنما ترانيمه صلوات وأدعية وابتهالات، فهي الجسر المباشر الذي يمدُّه بينه وبين العالم الروحي.

            فعلى أجنحة الصلاة يتعالى إلى الملا الروحي الخالد، يُناجيه، يُمجده، يتواضع أمامه؛ فتشعر، حينئذ، بتفاهة كل مغرور وحقارة كل متكبر.

            تقرأ، “يا عالم الروح الطاهر، (30/9/69) و”سلام على الديار العلوية” (30/5/72) فتشعر بانجذاب رجل الروح إلى عالم الروح الذي هبط منه؛ فهو يريد الانسلاخ عن الأرض الزرية ليبقى على صلة حميمة بموطن السعادة السماوية حيث لا شقاء، ولا ألم، ولا رياء.

            وتقرأ “دعاء” (7/10/69) و”صلاة ناجم حزين” (13/1/74) فتلمس تواضع الرجل القوي، وتذلل الجبار الخارق أمام السدة الإلهية، وتسمعه، وأنت مدنوش، كيف يُقرُ بذنوبه وهو الطاهر النقي، وكيف يتضرع إلى الله لينشله من الهوة الدجوجية السحيقة. وإذ ذاك لا بد من أن تهزأ بنفسك إذا كنت ممن أنعم الله عليهم بالمدارك الرجاحة والبصائر النيرة.

——————————————–

(40) انظر “سأغني” (22/1/77).

——————————————–

فاسمع الرجل العظيم يبتهل إلى خالقه قائلاً في “عادء”:

إن جلالك أيها الخالق السرمدي تهابه جميع مخلوقاتك!

فالآساد تجثو بخشوع فائق، وتغفر وجوهها تحت أقدامك!

والنمور الضارية تعنو بجباهها للحضيض أمام جلالك!

وجميع مخلوقات العوالم المعروفة والمجهولة

ينبهرون حيال سناك!

إن عفوك، يا خالقي، لا نهاية له،

وحلمك يشمل جميع العوالم التي نعرفها والتي نجهل كل شيء عنها،

ومراحمك لا تحدها شطانُ العوالم التي كونتها ألوهيتك،

فاعفُ عني، يا الله، وارحمني أيها المكون، وامحُ آثامي،

ودعني بعد انطلاقي، أتمتع بأنوارك الإلهية،

حتى أبد الآبدين”.

 

            وتقرأ “ضراعة الخالق البرايا” (26/2/74) فتشعر الشعور نفسه. لكنك تسمع رجل الروح القادر يُعظم الله بألسنة المظاهر الطبيعية والعناصر، بألسنة السماوات والكواكب السُّدُم والمجرات، والجبال والأشجار والبحار، والعواصف والصواعق والزلازل، والبروق والرعود والأسود، وجميع مخلوقات الأرض.

            وإذْ ذاك ستتذكر مزامير النبي داود كأنه بعث حيًّا، وتطوف ببالك الآية الكريمة القائلة:

“تُسبح له السمواتُ السبع والأرضُ ومن فيهنّ، وإن من شيء إلا يُسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليمًا غفورًا) (سورة الإسراء: 44).

وأحيانًا يطغى على الرجل القوي الجبار خوفلإ من المجهول وقلقٌ على المصير، وتستبدُّ به الهواجس مما ستؤول إليه الأحوال، فيلجأ إله الله، واجدًا فيه عزاءه وملاذه الأخير وأمله العظيم الذي سينشله من الهوة المرعبة التي تريد ابتلاعه(41). وهكذا يسأل الله أن يجعله بوقًا صارخًا ليُذيع خوارقه ويهدي الأنام(42). وبعد ذلك، لا يبقى له إلا طلبٌ وحيد هو أن تدعه القوة الموجدة الصمدانية أن يتفيأ ظلال جنة الخلد الفردوسية(43).

            وهكذا أكون قد عرضتُ للقارئ شريطًا سريعًا ذا وجهين: وجه قاتم كئيب تتمثل فيه المأساة أمام عيني مؤسس الداهشية بأعنف صورها وأفجعها، بما تزخر به من حقارة البشر وشرورهم ومفاسدهم، وما أنتجت لهم من شقاء، وكبات وويلات، وما سببت لرجل الهداية العظيم من محن وخيانات واضطهاد وتشريد ومعاناة…

            ثم وجه مشرق باسم تتمثل فهي لرجل الروح السامي منافذُ الأمل وومضات العزاء والسعادة في هذه الكرة الأرضية الشقية الزرية، فإذا هي الحنين الدائم، عبر الموت، إلى عالمٍ أفضل، والسياحة الخيالية الناشدة الغبطة والسلوان والجمال عبر الحلم والطبيعة والمرأة المؤمنة، وأخيرًا عروس العرائس الإلهية: الرسالة الداهشية.

            تلك كانت جولة سريعة أردتها مدخلاً وأساسً فقط لدراسة شاملة كاملة “لحادئق الآلهة” و”فراديس” الإالهات”. وإنها لجنة روحية حقيقية اجتمع فيها ثمرُ البهاء، وإكسيرُ المعرفة، وينابيع النقاء… جنة كونها خيالُ داهش الجبار، إذ قبض على عناصر الحياة وصور الطبيعة والكائنات، وصاغ بها الجمال صياغة جديدةً، وسكب السحر في آنية فريدة!

            إنه المبدع الأصيل الحق في عالم الفن والأدب. يعلم ويرشد ويمتع، ويهذب ويبني ويبدع، واسمه على وجه السماء سيتألق ويسطع ، وملْ مسامع الأرض والفضاء سيُدوّي ويُلعلع! وكلُّ متكبر ومتجبر عند قدميه خاسئًا سيركع، وكل حاسد وحاقد في جحره مذلولاً سيقبع. وبينما يكون أعداؤه وقودًا لجهنم الخالدة بنيرانها المتأججة، ولا أحد بهم يشفع، يكون المؤمنون به في السماء نجومًا سعيدةً تلمع! والسلام على من يتبع الهدى ولربه ورسوله يخشع.

حياتي البائسة

 

من كتاب “أشرار الآلهة”

أنّى لي أن أصف حياتي البائسة؟!

إني أُشبهها بزورق، صغير، جميل،

يتهادى على صفحة البحر السحيق الغور، البعيد القرار!

                                                ***

وفجأة يتكاثف الضباب، وتعصف الرياح، ويشملُ الكونَ الظلام،

فيضطربُ البحر، وتصطخبُ الأمواج، وتتدافعُ كالأطواد،

وتتلاعبُ بالزورق المسكين، بغير ما رفقٍ ولا لين،

مسيرة إياه إلى غير ما هدىً يرتجيه، أو سلامٍ يبتغيه!

                                                ***

فتارةً تراهُ فوق متن موجة مشمخرة هادرة، مزمجرة ثائرة،

وطورًا يهبط معها اللجج متقلبًا خائضًا، فلا تتبينهُ العين

ومن ثم يطفو… ليعود فيغوص في أغوار الخضم السحيقة!

                                                ***

وإذا ما دنت ساعة المنية الرهيبة،

لا تلبث مداعبةُ الأمواج إياهُ طويلاً،

حتى تلفظُه بعنفٍ وقسوة إلى أحد الصخور الصمّاء العاتية،

فيتحطم من هول الارتطام شر تحطيم!

ومن ثم يفغر البحر الثائر المهتاج فاهُ،

ويبتلعهُ في طياته الآبدة حيث (الجحيم)!

                                                ***

فما أشبه (حياتي بذلك (الزوارق) الصغير المسكين،

الذي حكم عليه القضاء،

بالشقاء، والتلاشي، والفناء!

القدس، 25 ابريل (نيسان) 1933

حقارة الحياة

 

من كتاب “قيثارة الآلهة”

عندما ترى مواكب الملوك البالغة الفخامة…

لا يأخذنك ذلك الوهمُ القصيرُ العمر!…

وعندما… ترى (ماخرات) البحار،

و(السابحات) في صميم السحاب…

لا يغرنك ذلك السرابُ الكاذب!

وعندما تشاهد شوامخ القصور الفخمة،

وأعمدتها المرمريَّة الجميلة…

لا تدع جمالها السريع الأُفول يتملك عليك نفسك!…

وعندما… تنظُر مالكها المتعجرف

يأنفُ… حتى مِنْ رَدَّ (التحية) لك…

لا تدعِ الأسى يتملك فؤادك!…

فعمَّا قليل،

يَضمُّه الثرى في جوفه،

فيعفو أثُره!…

بعد أن يساويهُ الموتُ العادل…

مع أحقر من كان يأنفُ منه

ومِنْ رد تحيته!…

 

القدس 1933

أنا وَأَنتم

 

من كتاب “القلبُ المحطم”

أنتم تعبُدون الجسد،

وأنا أحتقرُه كل”ّ الاحتقار!

أنتم تطلبون الملاهي والملذَّات،

وأنا أنشد الوحدة والأنفراد!

أنتم لا تحيون إلا لِمَلء بطونك بشهي الطعام،

وأنا لا أحيا إلا لملء رأسي من عبر الأيام!

أنتم تعدون ذاك فضيلة الفضائل،

وأنا أعده رذيلة الرذائل!

أنتم تحيون على هذه الأرض،

وأنا أحيا في غير هذه الأرض!

أنتم تسيرون في طريق محفوف بالورود – ولكنها الأشواك،

وأنا أسير في طريق محفوف بالأشواك – ولكنها الورود!

أنتم أقوياء بالجسد،

وأنا قويٌّ (بالرّوح)!

أنتم على حافة الهاوية، تكادون تهوُون،

وأنا استصرخكم، لأنقذكم، فلا تسمعون!

أنتم لكم عيونٌ ولكنها لا تُبصر،

وأنا لي عيون ولكنها تُبصر!

أنتم أقيوءا بالقول، ضعفاء بالعفل،

وأنا قوي بالقول، قويٌ بالفعل، قويٌّ بالإيمان!

أنتم لا تتحولون قيد نملةٍ عن باطلكُم،

وأنا لا أتحول قيد رملة عن حقيقتي!

أنتم تدعون أنكم تنفذون أوامر الشريعة،

وأنا أؤكد أنكم تقوضونها من الأساس!

أنتم تطلبون الدنَّو من الحياة،

وأنا أنشدُ الدنو من الموت!

أنتم تعبثون بالأوامر الإلهية وتؤولونها كما شاءَت أهواؤكم،

وأنا أجمعها بصبرٍ غريب وصمتٍ أغرب!

أنتم موغلون في ضروب الشرور والآثام،

وأنا أبغي هدايتكم، فلا تسمعون الكلام!

أنتم تستمعون إلى أقوال القسس والكُهَّان،

وأنا لا استمع إلا لصوت الوحي والألهام!

أنتم أبناءُ الظلمة والشقاء،

وأنا ابنُ (النور) ذي السطوع والبهاء!!…

أنتم من أبناءِ (المادة)!!

وأنا من أبناء (الروح)!!

وشتَّان ما بيننا!!..

أنتُمْ! أنتمْ!

وأنا! أنا!!…

                                                                                                القدس في 7 يناير سنة 1935

أحنُّ إليك

 

من كتاب “نبال ونضال”

يا فتنة روحي وقصيدة أيام!

أحنُّ إليك مثلما يحنُّ البلبل الشادي

إلى الرياض الدائمة الاخضرار.

أحنُّ  إليك مثلما تحنُّ الورودُ الجورية

إلى قطرات الطلِّ في فجر ليلة بهية.

أحنُّ

إليك مثلما تحنُّ الجداولُ الرقراقة

للاتصال بالنهر العذب الخرير.

أحنُّ

 إليك مثلما يحن الصدى

لكلمة يُلقيها عابرٌ في وادي الصمت السحيق القرار.

أحنُّ  إليك مثلما يحنُّ العشاقُ المتيمون

لأنوار البدر الشعرية وهي تتكسر على البحيرات الحالمة.

أحنُّ إليك مثلما يحنُّ النعاسُ للعيون النجل التامة الفتنة.

أحنُّ  إليك مثلما يحنُّ ثمرُ الكرز إلى لونه الأحمر القاني.

أحنُّ إليك مثلما تحنُّ الطبيعة لفصل الربيع الرائع بمحاسنه.

أحنُّ إليك مثلما تحن الطيور لباسق الأدواح الغضة الأفنان.

أحنُّ إليك  مثلما تحن الولهى

لعودة وحيدها إليها من عالم الموتى الصامت.

أحنُّ إليك مثلما يحن الفراش الملون إلى الأزهار المضوعة.

أحنُّ إليك مثلما يحن السمكة الذهبية إلى البقاء في عالمها المائي.

أحنُّ إليك مثلما يحن اليمامة إلى إلفها الثلجي الريش.

أحنُّ إليك مثلما يحن المحتضر لعودة الروح إلى جسده الذابل.

أحنُّ إليك مثلما يحن مثلما يحن التائه في الصحراء المحرقة الرمال

إلى كوب من الماء المنعش.

أحنُّ إليك مثلما يحن الرضيع الجائع إلى ثدي أمه العطوف.

أحنُّ إليك مثلما تحن الحمامةُ الوديعة

إلى فراخها فتحرسها بجميع ما تملك من أسباب.

أحن إليك مثلما يحن جميع سكان الأرض

لانتهاء هذه الحرب الضروس وعود السلم إليها

أحنُّ إليك مثلما تحن الأرواح الطاهرة في ملإها العلويِّ

للاندماج بموجدها السرمديّ.

أحنُّ إليك بروحي ولبي، وأهبك عاطفتي الجياشة مع حبي!

آه! أحن إليك.  أحنُّ إليك!

نعم!

إنني أحنُّ إليك!

بيروت، في 5 أيار 1944

إبليس الزنيم والشيطانُ الرجيم

 

مأخوذة من كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة” الجزء الأول، للدكتور داهش

 

شاهدته ففتنت برجولته التامة. وقد شبهته بالأسد لجمال قوامه، ولعضلاته القوية المفتولة كأنها قوس مشدود.

وراحت تلقي شباكها الأنثوية حوله، فإذا به سجين تلك الشبكة المغرية. وكان اسمها فواتن.

            وتم اقترانه بها. فكانت أسعد امرأة تظللها السماء وتُشرقُ عليها ذُكاء.

            وكانت نتيجة زواج الحب هذا نجلاً تام الخلقة ما خلا عيبًا واحداً فيه: إذ ولد وبمؤخرته نتوء بارز كأنه ذنبٌ معوج وهو مكسو بشعرٍ كأنه الدبابيس لقسوتة.

            وقد أطلق أبواه عليه اسم جيتان.

                                                           

                                                            ملامح شيطانية

            وكتمت أمه هذا العيب عن الجميع كي لا يُعيره رفاقُه إذا عرفوا علته.

            ونما الطفل فأصبح يافعًا، ثم مراهقًا فشابًا.

            وكان الناظر إليه يشعر بخوفٍ خفي ورهبةٍ مجهولة، إذ كانت تقاسيم وجهه تبدو عجيبة للمتأمل فيه.

            وكان رفاقه يتحاشونه لا لسبب إلا لهذا السبب المجهول لدى الجميع.

            وفي أحد الأيام اختصم مع زميل له، وعندما أمسك أحدهما الآخر لكَمَ جيتان زميله على وجهه، فإذا به يصيح مذعورًا للألم العظيم الذي ألمَّ به.

            فقد احترق وجهُه وكأنه شوي على جمرٍ متقد.

           

                                                ومات المراهق برُعبٍ عظيم

            ودُهش سكان المدينة لهذا الأمر العجيب الذي لا يصدق. وكانت دهشة الأطباء بالغة للغاية، إذ وجدوا، بعد الفحص، أن الوجه قد احترق وكأنه أدخل بجوف الأتون المتلظي.

            وقالوا إنه مرضٌ خطيرٌ للغاية، ولا حيلة للأطباء بمعرفة أسبابه ومسبباته.

            وفي اليوم الثالث لهذه الإصابة المميتة، احتضِر روبي المصاب بوجهه. وكان بأثناء احتضاره يهذي قائلاً:

  • ها إني أرى الشيطان الزنيم، فهو أمامي. وهو يأمرني أن أصمت ولا أتفوه بأية عبارة..و ولكنني سأفصح السر.

قال هذا، وفاضت روحُه قبل أن يُكمل حديثه العجيب الغريب.

 

                        طالت قامته واندلعت النيرانُ من عينيه

وذهبت والدة جيتان إلى منزل المراهق الميت، فطيَّب والداه خاطرها، وقالوا لها:

  • نحن لا نشكُّ بأن ما أصاب ابننا هو مرضٌ غريب للغاية ومجهول حتى لدى أشهر النطاسيين. ونحن لا نحمل لابنكِ ضغينةً ما، إذ صدف، ساعةَ تماسُكه مع ابننا، حلولُ المرض المجهول به، وهذا لا دخل لوحيدك به.

وعزتهم فواتن وعادت إلى منزلهاـ وفتحت الباب بالمفتاح الذي كان في محفظتها.

وفجأة جحظت عيناها إذ شاهدت ابنها وقد طالت قامته حتى أصبح رأسه يصطدم بسقف المنزل، وأصبح وجهُه مخيفًا للغاية، وكانت نظراته صاعقة إذ كان شررٌ من النيران يندلعُ من عينيه.

            فهالها الأمر، وانكفأت على وجهها هاربة من هذه الرؤيا المرعبة.

            صاح بها جيتان:

  • أماه، ماذا داهاكِ؟

وأسرع إليه وأمسك بها وقد بعُدت عن المنزل مسافة.

 

                              أتخيلات وأوهام أم حقائق هائلة؟

ونظرت إليه، فإذا هو كما تعهدُه وليس به طولٌ غير اعتيادي. كما أن نظراته أيضًا كانت مثلما تعهدها فيه منذ ولادته.

فذُعِرَت وأي ذعر، وقالت له:

  • جيتان، أُقسم برب السماء وخالق الكواكب انني شاهدتك قبل قليل، طويلاً، حتى أن رأسك اصدكم بسقف المنزل. وكان وجهُك يثير الخوف في قلب الأبالسة الطغام.
  • أُماه، ماذا بك؟ أتشكين مرضًا وهميًا؟ أو هل جرعت بعض الخمور القوية حتى شاهدتني على هذه الصورة الرهيبة! طمئنيني فإنني أكادُ أن أُضيع رشدي!
  • ابني الحبيب، لا أدري، لا أدري. أنا لم أكنْ نائمة قط، ولا حالمة، ولم أشرب خمرًا. ولكنني أصدقُك القول إنني شاهدتُكَ مثلما ذكرتُ لك.
  • لا بأس! لا بأس! فإنكِ كنتِ بحالة ذهولٍ نفسي، واضطرابٍ فكري دونما ريب، فاختلط عليك الأمر، وتوهمت أ،كِ شاهدتني على هذه الصورة المريبة.

 

عودة أبانالس

وعاد أباناليس والد جيتان من سفرته الطويلة، وقبل ابنه، وضم زوجته إلى صدره بعد غياب عام ونصف. فأعلمته بما شاهدته، فضحك حتى بدت نواجذُه، وقال لها:

  • إنه وهمٌ من الأوهام أيتها العزيزة.

أما هي فكانت تقول بنفسها إن ما شاهدته أمرٌ رهيبٌ للغاية، ولم أكن متوهمه، فكيف حصل هذا الشيءُ المذهل؟

وداعبَ النومُ عينيها، ثم أدخلها إلى عالمه السحرين وفراحت تجوبُ فراديسه العجيبة. وعندما استيقظت دخلت إلى غرفة زوجها فلم تجده. وبحثت عنه في غرف المنزل غرفةً غرفةً لكنها لم تعثر له على أثر.

      فقالت: ربما ذهب لأمرٍ ما، وسيعود، فلأُجهز له طعامًا.

 

أهوال شيطانية مرعبة

            وهبطت إلى بدرون المنزل لتحضر بعض الحبوب لتطبخها لها، وإذا بها تسمع حديثًا بصوتٍ منخفض، فدهشت للأمر، وسارت على أطراف أصابعها لناحية الأصوات الخافتة، ووقفت وراء باب ترى منه ولا تُرى.

            وإذا بعينيها تجحظان، وتكادان تخرجان من وقبيهما.

            فقد شاهدت أباناليس حبيبها الذي اقترنت به بعدما تدلهت بهواه، وهو جالسٌ على كرسي ملتهب بالنيران دون أن تؤذيه. وقد تغيرت ملامحُ وجهه، فإذا هو مرعبٌ اية الرعب.

            وقد برزَ من راسه قرنان معكوفان، وكان الشعر الكثيف يكسو يديه وكأنه خروف مَكسوٌ بالصوف.

            وكان يُجالس مثيلاً له وهما يتهامسان ويشربان الخمور المعتقة المحفوظة بالبدرونه. فتسمرت مكانها، ولم تستطع التحرك لشدة ذهولها واضطرابها لهول ما تراه.

            وقالت لنفسها: هل تراني نائمة؟ وقرصت وجهها بيدها بقسوة فكادت تبدرُ منها صيحة ألم.

  • إذًا، أنا لستُ بنائمة، بل بكامل حواسي أُشاهد قريني وقد انقلب إلى ابليس مرعب الوجه، مخيف النظرات، هائل الشعر. وزميله مرعبٌ مثله.

 

مَجْمَعُ الأبالسة

وفجأةً، شاهدَت ابنها جيتان يظهر بغتةً أمام والده وزميل والده الشيطاني الملامح.

  • كيف ظَهَر؟ من أين دَخَل؟ كيف هبط إلى هذا المكان؟

وكان المفروض أن يمر حيث تقف إذ لا باب آخر يستطيع الدخول منه إلى البدرون.

وقالت لنفسها:

  • يا إلهي، أعني، فاني أكاد أن تزهق روحي لشدة خوفي المُبيد لما أراه أمامي من أهوالٍ هائلة.

     

 

زوج إبليسي ونجل شيطاني

وفجأةً سمعتْ صوت قرينها – أباناليس – يقول لها:

  • تعالي يا فواتن، وشاركينا الخمرة. فلماذا تتوارين وراءَ الباب؟ ولِمَ خوفُكِ هذا؟

ثم سمعَتْ صوت ابنها جيتان يقولَ لها وهو يضحك ضحكًا هستيريًا:

  • هيا اسرعي إلينا. أتخافين زوجَكِ وابنكِ وضيفهما؟

فتحاملت على نفسها، ودخلت بخطى ثقيلة والرعبُ الهائل جاثم عليها وكأنه جبل مشمخرٌّ مرتفع الذُرى.

 

واختفت أبالسةُ الجحيم

وأمسك كل من أباناليس وجيتان – كلٌّ منهما بيدٍ من يديها. وقال لها الأول:

  • أنا أبانالي، وهذا يعني أنني أنا ابليس الزنيم.

وقال لها جيتان:

  • أما أنا فاسمي جيتان وهو يعني بأنني أن الشيطانُ الرجيم.

ودوَّتْ أصوات رعدية شيطانية تصمُّ الآذان. ثم اختفى كل من ابليس والشيطان.

 

 

فواتن أصبحت جثة هامدة

وطال غياب فواتن عن جيرانها إذْ كانت تزورهم كل يوم. فهرعوا إلى منزلها، وكانت أبوابه مشرعة، وبحثوا عنها في غرفه دون أن يجدوها. وكذلك لم يعثروا على قرينها أو نجلها.

            فهبطوا إلى البدرون، وغذا بهم يجدونها جثةً هامدة وهي مستلقية على وجهها، وكانت رائحة جثتها النتنة تُزكم الأنوف!

            ودهُش الجميع دهشةً عظمى إذ وجدوا بقرب جثتها تمثالين حجريين يمثلان:

_ إبليس الزنيم – و – الشيطان الرجيم –

                                                                                            الولايات المتحدة الأمريكية،                                                          الساعة العشارة من ليل 8 آب 1976

رحلةُ الشاعر

 

مأخوذة من كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة” الجزء الأول، للدكتور داهش

 

وأمسك الشاعر الشابُ عصاه، وسار متوكئًا عليها وهو يسير في الصحراء المترامية الأطراف.

وكانت الرحلةُ عسيرة، فالشمسُ المحرقة تصهر الفولاذ، والرمال حرارتُها رهيبة. وكان الدثار يقي الشاعر من الحرارة المبيدة.

            وطال المسير… فالرحلةُ قصيَّةُ الأبعاد, ودونها خرط القتاد.

واحتلت جيوش اليل اللجبة االصحراء اللامتناهية بمسافتها الهائلة، وكان القرار رهيبًا. فالتصق الشاعر بجمله الجاثم بجانبه ليستمد منه دفأً، فضلاً عن الغطاء الصوفي السميك المصنوع من صوف الأغنام الذي تدثر به من قمة رأسه حتى أخمص قدمه.

            والصحراءُ شمسُها مُنهكةٌ نهارًا وبردها مهلكٌ ليلاً!

            وانقضى الليل وبزغت الشمس. ولبزوغ الشمس في الصحراء روعةٌ لا يماثلها روعة.

            ونهض الشاعر فاعتلى ظهر جمله القوي، وراح يطوي البيد طيًّا.

            وقد سبق واحتاط للأمر، إذْ صنع مظلةً كبيرة ثبتها على ظهر جمله. ومساحتها تزيدُ اتساعًا لتحيط الجمل ابتداءً من رأسه حتى نهاية ذنبه. وهذه المظلة ذات القماش السميك ترد عنه وعن جمله حرارة شمس الصحراء الملتهبة.

            واستمرت الرحلة أسبوعًا كاملاً، فنفد الماء ونفد الزاد.

            واليوم التاسع أمضاه بدون طعام أو شراب.

            وانبلج فجرُ اليوم العاشر. وكان الشاعر يتصوَّر جوعًا، ويتوق لقطرةٍ من الماء يبلُّ بها لسانه الذي أصبح يابسًا كأنه قطعة من الخشب الجاف!

            واهتاج جملُه يريد طعامًا – دون الماء – لأن الجمال تختزن بأجوافها الماء، وهي تستطيع أن تخرجه من أجوافها حتى يصل إلى بلعومها، ثم تعود فتدخله لأجوافها.

            وهذه الخاصية وهذا التكوين جعلهما الله للجمال التي تسير في الصحراء.

            وهذا التدبير الإلهي يقي الجمال من الموت عطشًا.

            وقد صمم الشاعر على أن يقتل جمله ليستطيع أن يغتذي بلحمه ويبل أوامه بالماء المختزن ببطنه.

 

خيمة وشيخ وقور

وفجأة شاهد، من بعد، خيمةً منصوبةً  في قلب الصحراء، فدُهش وكان سروره عظيمًا، وأغذ السير حتى بلغ الخيمة. وإذا بشيخٍ وقور واقف في مدخلها. فدعاه للدخول. فترجل ودخل، وطلب الماء من الشيخ، فقدم له إبريقًا كبيرًا من الفخار مملوءًا بالماء، فشربه حتى آخر قطرة فيه.

            ثم أحضرَ الطعام الشهي فأكل حتى التخمة.

            وكان في زاوية الخيمة زنبيل مملوء بالفاكهة الشهية المتنوعة، فأكل منها كمية كبيرة وهو مذهول من وجودها في هذه الصحراء المقفرة إلا من الرمال المحرقة.

            والذي أدهشه للغاية جوُّ الخيمة العجيب. فالبرودة فيها حيرته.

            وكم كان ذهوله بالغاً عندما شاهد جمله من خصاص الخيمة وهو يأكل التبن، وقد وُضِع أمامه مقدار كبير من الشعير أيضًا.

            وبالقرب منه وعاء متسع للغاية مملوء بالماء، وقد شربه جملُه بأكمله، وهو يكفي لإرواء ظمأ ثلاثة جمال أضرَّ بها العطش، لعمق هذا الوعاء واستدارة قطره الهائل.

 

يتغنى بحنية يجهلها

            والتفت الشاعر لناحية مضيفة ليسأله من هو الذي وضع الطعام والماء لجمله، مع أنه ليس في الخيمة سواهما. فابتسم الشيخ الوقور، وقال للشاعر:

  • ألست أنت القائل بقصيدتك:

كيف ألقاكِ يا عروسة شعري،                 إن شوقي إلى اللقاء عظيمُ

طال سهدي، وامتد في الليل فجري،          فلقد بتّث في صباكِ أهيمُ

قمر العمر، أنتِ في العمرِ بدري               أنا مضنيً… على هواكِ مقيمُ

سوفَ أطوي البيداءَ، والحبُّ يجري بدمائي… وفي اللقاء النعيمُ

 

الشاعر يلتقي بمُلهمة شعره

فأجابه الشاعر والدهشةُ العظمى تغمره:

  • نعم، أنا الناظم لهذه القصيدة، فكيف عرفتَ هذا وأنا لم أنشر قصيدتي، وما زالت مطوية في الورقة التي دونتها عليها.

فصفق الشيخ بيده مناديًا

  • تعالي يا قمر.

وإذا بالسجف ينشق وتبرز من ورائه كاعبٌ هيفاء يخجل البدرُ من جمالها إذ رآها، لأن جمالها يتفوق على جماله الشعري.

وتقدمت هذه الجنية الفائقة الأنوثة، وقالت:

  • هاءنذا يا والدي.

فقال لها والدُها:

  • ها هو زوجُكِ المختار يا ابنتي قمر، وقد جاء يسعى للقيامِ، قاطعًا القفار، مجتازًا للصحراء المترامية الأطراف برمالها المحرقة، وها قد بلغ المرام إذ لَقِيَكِ.

 

حلم رائع تَبخَّر

فنظرت الجنية المذهلة الجمال إلى الشاعر الذي صُعِقَ من نظراتها التي يلين الصخر أمامها. وخرَّ عند قدميها يوسعهما لثمًا وتقبيلاً.

            وإذا بها قد تبخرت، والشيخ الجليل قد تلاشى وجودُه، والخيمة قد ذابت وكأنها لم تكن.

            وقد أعادت لذاعاتُ الشمس الرهيبة صوابه إليه، فنهض والذهولُ يتملكُه، والهولُ يشمله، وقد تضعضع عقلُه، وشرد نظره، وتلبد ذهنه، وخفق قلبه، وارتعد جسمُه، وخار جنانُه، وحار وجدانُه، وتلجلج لسانُه.

 

الجنية تدعوه إلى عالمها

وإذا بصوتٍ نسائي رخيم يقول له:

  • أيها الشاعر الحبيب، إن حبيبتك قمرًا تُناجيك، وهي تدعوك لتكون زونجها وسيدها وحبيبها ومالك فؤادها العارم بحبك..

ولكنها لن تكون لك إلا في العالم الثاني.

فعندما تخلع رداءَ الجسد الفاني وترتدي الجسد الروحي الخالد، فإذا ذاك تجدني أمامك. فأطوقك بزندي البضين، وأُقبلك بشفتي المعسولتين، وأُذيقكَ السعادة التي لا يستطيع أي قلم بشري أن يصف مقدار لذتها الإلهية العظمى!

      فعالَ إليَّ يا حبيبي، تعال، ولا تتوانَ، فانني مُدَلهة بحبك، مفتونة برجولتك، معجبة بأشعارك التي تتغنى فيها بحبي.

وما أنهت حديثها معه حتى انتضى خنجرًا صقيلاً مسننًا، وطعن به قلبه، فإذا به جثة هامدة.

 

الولايات المتحدة الأمريكية،

 الساعة السادسة والنصف من صباح 13 أيلول 1976

تحوَّل الكلبُ لإنسان فحلَّت عليه المصائب

 

مأخوذة من كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة” الجزء الأول، للدكتور داهش

 

قصر السيد مور الباذخ

كان السيد مور، وهو من أثرياء الأنجليز، يملك قصرًا باذخًا في ضواحي لندن، تحيط بهذا القصر العظيم حديقةٌ غناء أشجارها باسقة، وظلالها وارفة، وأزهارها العجيبة الألوان تُضمخ الجو برائحتها الزكية فتتنسمه الأنوف بلذة عجيبة.

            وكان هذا القصر ذو الأعمدة المرمرية المذهلة مُلتقى علية القوم، يؤمونه في أوقاتٍ مختلفة، يرودون غرفه، ويشاهدون رُدُهاته التي أبدَعَ الفنانون في إضفاء مختلف أنواع الفنون والحفر فيها، فإذا هي روعة يقف الناظر أمامها مبهوتًا. وكانت التماثيل الرخامية تزين مداخل هذا القصر الشاهق ومخارجه. فهذه هي ديانا الفاتنة، وتلك فينوس ربّة الجمال، وتلك الواقفة بمهابة وجلال إن هي إلا حيرا زوجة جوبيتير رب الأرباب وإله الآلهة، وحيرات أحبُّ نسائه إليه. وفي الصالون الكبير يبدو مارس اله الحرب واقفصا بجبروت وقد استعد للمقارعة والنزال. وغير بعيد عنه مركير وقد اعتمر خوذته ذات الجناحين، وكذلك برزَ من جانبي قدميه جانحان صغيران، أيضًا، فهو رسال الآلهة ينتقل من مشارق الأرض إلى مغاربها بلحظة واحدة، منفذًا الأوامر الالهية بدقة فائقة.

            وأمام ينبوع من الماء المتدفق يقف كيوبيد اله الحب وهو ممسكٌ بقوسه وسهمه. وغيرهم كثير من الآلهة والالاهات… فأنت لا ترى غرفة أو ممرًا أو رحبةً إلا تجد فيها تمثالاً فنيًا وقد نُصب بطريقة فنية تأخذ بالألباب والقلوب.

 

الكلبُ المُدلّل

وقد اعتاد كُبراءُ القوم وأثرياءُ اللندنيين على عواءِ كلب السيد مور الضخم. والإنكليز يحبون الكلاب حبًا جمًا. فكان كل منهم يطعمه ما حمله له من الحلوى واللحوم المحفوظة، وهم يربتون على ظهره، فيهتز ذنبه علامةً على الامتنان لما يلقاه منهم من غُنجٍ ودلالٍ فائقين.

            وكان الحديقة الواسعة الأرجاء ملكه الحلال، فهو يرودها من جانب إلى جانب. يتفيأ ظلال أشجارها اتقاءً لحرارة الشمس – هذا إذا قيض للندن أن تشرق فيها الشمس في بعض أيام الصيف. وكان يقفز بين أزهارها الفاتنة. فطعامه موجود، وشرابُه جاهز أمامه.

            كما صُنع له منزل صغير من الخشب، ووضِعَ بداخله فراشٌ ملأَ فراغه لكي ينام فيه.

وعندما كان يمرُّ سيده مور أمامه، يهرع إليه محركًا ذهنبه، فيربت مور على ظهره، وإذا نكتار – وهو اسم الكلب – يلعق يد سيده دلالةً على الامتنان والشكر.

 

الكلب يتمنى أن يستحيل لإنسان

وفي أحد الأيام قدم اللورد بلهام إلى القصر، وبرفقته خطيبته الحسناء الليدي سميسون. وكان اللورد الشاب يهمس في أذن حسنائه كلمات الحب الملتهبة بالعاطفة، فتبتسم هذه الكاعب الحسناء, وما يلبث المراهقان حتى يضعا شفاههما بعضًا على بعض وهما متوغلان في حديقة السيدة مور الغنية بأشجارها الكثيفة.

            وكان نكتار يُراقب اللورد وخطيبته الشابة، وقد اعتاد رؤيتهما إذْ كانا يزوران القصر دائمًا، وكان يُراقبهما وهو مستلقٍ بين مجموعة من القصب النامي أمام بحيرة القصر الخاصة، فمكث حيث هو دون أن يقترب حيث وقفا وقد ألصق كلٌّ منهما شفتيه شفتي إلفه.

            وفكر الكلبُ قائلاً: لِمَ لم يخلقني الله أنسانًا سويًا. إذًا لكنتُ أنعم بما ينعم به هذا اللورد مع شابة فاتنة قوامُها كالأملود، وخصرُها نحيل، وردفها ثقيل، ودلالها من العثرة يُقيل.

            ولمَ لا أكون صاحب قصرٍ شامخ الذرى كقصر سيدي إن لم يفقه جمالاً وروعة. فها إني أشاهدهم يأكلون أخفر الأطعمة، ويشربون مختلف أنواع الخمور المعتقة، ويركبون أفخم السيارات وأغلاها ثمنًا، ويتحلون بالذهب والماس، ويتختمون بالزمرد الرائع بخضاره الفاتن، وهم يرتدون أفخر الحلل وأبهى الأنسجة الثمينة. كما أنهم يجوبون مُدُن الأرض وقُراها تنقلهم الطائرات الضخمةت والسريعة من قارةٍ إلى قارة.

            وأنا آكل ما يُلقونه لي من مخلفات الطعام وفضلات المائدة، نابذين إياي في حديقة لا أستطيع مغادرتها إلا عندما يحلو لسيد أن يأخذني معه لأحرسه من شر اللصوص.

            كما إنني ولدت عاريًا، وسأبقى عاريًا حتى يوم مماتي. وعندما أنام أدخل إلى وجاري المصنوع من الخشب وهو لا يسعُ إلاي. بينما قصرُ سيدي تستطيع غرفُه وصالوناتُه أن تستوعب المئات.

            أنا لا أُنكر بأن سيدي وزواره يُلاطفونني ويلقون لي بالحلوى وغيرها من الأطعمة، ولكن شتان ما بين عيشتي وعيشتهم، فما أنا إلا كلب، وما هم إلا أناس. فقد خلقنا الله مخلفين. ولا شك في أن عدالة الله لا يشوبها شائبة. فلو لم استحق أن أولد كلبًا لما وُلدتُ كلبًا، ولو لم يستحقوا أن يولدوا بشرًا لما ولدوا بشرًا. ولكنني أرجوه سبحانه وأضرع إليه أن يمنحني نعمة التغير فأصبح بشرًا سويًا لأتنعم بما به يتنعمون. إني أتجهد مبتهلاً إلى خالقي الأبدي المراحم أن يحولني لإنسان لمدة شهر واحد فقط لاتذوق لذاذاتٍ يعرفها البشر، ونفقدها نحن معشر الكلاب، فشتان ما بين كلبٍ حقير وبشري خطير.

 

تحول لإنسان فحلت عليه المصائب

وتحققت أمنية نكتار، فإذا هو شاب أسمر جميل ممشوق القامة، مرصوص الجسم، مفتولُ العضلات، وقد أزبأرَّ شارباه، وبرقت عيناه، وتمشت العزيمة في أوصاله، وسرت دماءُ الفتوة في شرايينه، فعرف أن أمنيته قد تحققت وضراعته قد استجيبت.

            وكانت دهشته عظيمة للغاية عندما فرك عينه اليمنى، لشعوره برغبة حكها، فإذا هو قد انقلب، ثانيةً، إلى كلب كما كان. ثم كان عجبه هائلاً للغاية عندما حرك ذيله بقوة، فإذا به ينتصب وينقلب إلى شاب مفتول العضلات ثانية.

  • إذاًا هذا هو السر العظيم: إذا أردتُ أن أعود كلبًا ، ثانيةً، فما عليَّ إلا أن أحكَّ عيني اليُمنى فإذا أنا أصبح كلبًا، وعندما يهتز ذنبي بقوة أنقلبُ لشابٍ فتي!

وطرب طربًا عظيمًا. لكن طربه انقلب لعبوس إذ شاهد نفسه عاريًا من الملابس. وقد أتته فكرةٌ حققها فورصا، إذ فرك عينه اليمنى فإذا هو كلب. فعدا إلى ناحية القصر، وكانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ودخل من النافذة إلى الغرفتة التي تحفظ فيها الثياب، وانتخب منها بذلةً حملها بفكيه، وخرج، ثانية، من النافذة، وهز نبه بقوة، فإذا هو شاب. فارتدى هذه البذلة، فبدا شاباً انيقًا تجري ف عروقه دماءُ الشباب الحارة.

فغادر القصر وجهته المدينة.

      وما كان يبتعد عن القصر كثيرًا ويدخل في شارع فرعي حتى فوجئ بشخصين يهددانه بطلب نقوده أو الاجهاز عليه. ففر مذعورصا وهما يُطاردانه. وكان أحدهما يحمل نبوتًا ضربه به على ظهره عندما اقترب منه، فشعر بألم هائل يسري ف ظهره، فاستعار من ألمه قوة خوفًا من القضاء عليه، وأسرع بالفرار جهد استطاعته، فبعد عنهما مسافة.

      لكنه سرعان ما وجد أمامه جدارًا. إذاً ليس أمامه أي طريق إلا إذا استدار، ثانية، وعاد من الطريق نفسه، فيقع فريسة لهذين المجرمين!

      وحَكَّ عينه اليمنى بسرعة فإذا هو كلبٌ ضخم!

      ووصل المجرمان، وإذا بالحائط يجابهما، وليس من طريق! ومر من أمامهما كلبٌ ضخمٌ يعدو! ونظر يمنةً ويُسرة، فلم يجدا الشاب الذي كان يطاردانه، فذهلا ذهولاً عظيمًا،! إذ1 كيف اختفى هذا الشاب! ترى، أهو جن أم شيطان زنيم؟!… وهرولا عائدين، والخوفُ قد تملكهما واستولى عليهما.

 

نكتار يُقاسي الأهوال المزلزلة

وعاد نتكار فحرك ذنبه بقوة، فإذا هو قد استحال لشاب مجددًا، وإذا به يشعر بجوع كافر. فدخل إلى مطعم ليلي كُتبَ على مدخله أنه يفتح ليل نهار طوال 24 ساعة. وكانت رائحة الأطعمة تملأ المكان فيتنشقها برغبة.

            وجلس على المائدة، وطلب أفخر اللحوم، وأشهى أنواع الحبوب، ثم جرع أكواباًا من نبيذ ماديرا المعتق، فظن صاحب المطعم أنه اصطاد زبونًا غنيًا، فبالغ باكرامه، وقدم له أفخر أنواع الحلويات. وقد طلب صاحبنا (الكلب) المنقلب لشاب جميل افخر أنواع السجائر، فقدمت إليه.

            وعندما قدم زبائن جدد إلى المطعم – وكان نكتار قد فرغ من الطعام والشراب والتدخين – أُرغم على إخلاء مكانه للزبائن ليجلسوا إلى المائدة. ووقف صاحبُ المطعم ينتظر تسديد الحساب. وأدخل الشابُ يده إلى جيوبه، باحثًا منقبًا، وكانت تخرج، دائمصا، فارغة. فاعتذر من صاحب المطعم وطلب منه إمهاله إلى الغد ليأتيه بثمنِ ما تناوله، فرفض رفضصا باتًا، واستدعى تلفونيًا البوليس ليتقاضى منه الثمن. وإذ ذاك هرول نحو إحدى غرف المطعم وأغلق بابها من الداخل بالمزلاج.

            فتضافر البوليس وخدم المطعم وحطموا الباب. وإذا بكلبٍ يهرول خارجًا، فأفسحوا له مجال الهروب. ولكن أين هو الشاب الذي أقفل عليه الباب؟! لقد ذاب وتبخر! وإذا بنظرات الدهشة العظمى تستولي على الجميع! تُرى، هل هو شيطان رجيم ذلك الذي تناول أفخر أنواع الأطعمة وأشهاها؟! هذا لا يعلمه إلا الله والراسخون بعلم الغيب، إذا وُجِدَ حقًا علمٌ اسمه علم الغيب… ولكن هيهات!

 

 

نكتار بضيافة بائعة الهوى

وعادَ، ثانيةً، فهزَّ ذنبه الكلبي، فإذا هو الشاب المفتول العضلات، وكان يلهث من شدة التعب ومن هول ما شاهده في فجر هذا اليوم، إذ تكأكأت عليه المصائب منذ أول يوم استحال فيه إلى إنسان. وسار في أزقة لندن يرودُها دون أن يعلم أين يسير، إذ كان يسير على غير هُدى.

            وفجأةً شاهد فتاةً رائعة الجمال واقفةً أمام مدخل منزل وهي ترتدي ثوبًا شفافًا يظهر مفاتنها، فعرف أنها من بنات الهوى. وسرعان ما استدعته للدخول. فدخل إلى غرفتها، فأقفلتها وضمته إلى صدرها وهي تُبدي له من ضروب الغنج والدلال ما أفقده عقله.

            وبينما كان في سكرة الهوى كانت يدا الغانية تبحثان جيوبه، لكنها ما فازت بطائل. وفجأة، دفعته بيديها، ووقفت طالبةً منه، أولاً، الجُنية، قائلة:

  • بعد ذلك تنال ما ترغبُ فيه.

وحاول البحث في جيوبه، فإذا هي مقلوبة، إذ كانت يدا فتاة الهوى قد قلبتها لتبحث عن النقود فتستولي عليها، لكنها لم تجد شيئًا.

حينئذٍ قال لها:

– أنتِ أخذتِ النقود من جيوبي.

وما أمل جملته حتى كان الحذاء يصفعه على فكه، فانبثقت الجماءُ منه.

وهرع من الغرفة شقيقُ الداعرة، وبيده عصا غليظة أعملها في جسد الشاب ورأسه، فدماه، ونال منه منالاً رهيبًا. فهرول عاريًا (ربي كما خلقتني)، خارجًا إلى الالطريق، وعصا شقيق الغانية تلعبُ على ظكهر هذا الشاب المُفلس.

      وأخيرًا دخل إلى زقاق ضيق، وفرك عينه، فإذا هو كلبٌ جريح. ووصل صاحبُ العصا الغليظة، فأخذته الدهشة لأنه لم يجد الشاب، بل وجد كلبًا جريحًا يتحامل على نفسه، وهو يسير ببطء، ويهر ويعوي عواءً حزينًا من شدَّة الألم.

 

صلاةُ كلبٍ حزين مُتألم

وعاد الكلب المهشم إلى منزل سيده، وكانت الساعة السادسة صباحًا. فدخل من فجو السور إلى منزله الخشبي، وقبع فيه والدماءُ تسيلُ منه والألمُ العظيم يسري في كافة أنحاء جسده المُثخن بالراح من جراء تلك العصا الغليظة الكافرة.

            ورفع الكلب صلاته الحارة قائلاً:

            – أي ربي وخالقي وموجدي، إنني أستغفرك طالبًا عفوك عني وصفحك عن جريمتي – جريمة رغبتي في التحول إلى بشري – وقد ذقتُ الأهوال المزلزلة في الليلة عينها التي تحولت فيها إلى شاب. والآن، عرفتُ أنه كان مُنعمًا عليَّ من السماء عندما وُلدتُ كلبًا لا بشرًا. فحياةُ الكلاب سعيدة لا يشوبُها القلق ولا يستولي عليها الخوف كحياة الإنسان. فلا شك في أن الإنسان المجازي يُخلقُ إنسانًا لا كلبًا.

            والآن فقط، عرفت أية نعمة قد أسبغها عليَّ الخالق إذ استحقيت أن أكون كلبًا لا إنسانًا. فالكلابُ لا تشقى، ولا يُرهبها شيء، ولا تعيش في المخاطر والمخاوف المزلزلة.

وإنني أرجو المراحم الإلهية أن تُبقيني كلبًا عواءً طوال وجودي في هذه الأرض الفانية. وإذا قيض لي أن أتقمص، مجددًا فلا أرغب إلا أن أكون كلبًا، ثانية، وثالثة، وغلى ما لا نهاية. لأنني عرفتُ أية نعمة أنا فيها الآن بصفتي كلبًا. فطعامي الفاخر موجودٌ دائمصا وبكثرة، وكذلك شرابي. وأنا متنعم في حديقةٍ باسقةٍ أشجارها رائعةٍ أزهارها. والجميع يُلاطفونني ويُربتون على ظهري، ويُبالغون باكرامي. ومنزلي قد فُرِشَ بقماشٍ جميل سميك حشي بالصوف ليدرأ عني برد الشتاء. وقد كفرتُ كفرانًا عظيمًا عندما طلبتُ أن أتحول لبشري، فجوزيتُ بضرباتٍ رهيبة من العصا الغليظة التي لم ترحم ظهري، وقد كسرت لي ضلوعي، وهذا جزاء على كفراني بنعمة وجودي ككلب، وعلى طلبي أن أتحول لإنسان.

            وقد تأكد لي أن الله لا يُجازي الإنسان أو الحيوان، إنما الحيوان يُجازي نفسه،

            وكذلك الإنسان بالنسبة لأفكاره ولأعماله.

            فيا خالقي، أبقني كلبًا لأمجدك ولا تدعني إنسانًا فأكفر بك.

 

الولايات المتحدة الأمريكية

الساعة السادسة والربع من صباح 25/10/1976

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!